الجزء الثاني: الخالق والمخلوق

2.1            مقدمة

إذا أردنا أن نعرف الله بأحسن أنواع المعرفة، التزم علينا معرفة أفعاله. وإنما هي من نوعين. النوع الأول هو ما يمكث في الله، مثل التعقل والإرادة واللذة والمحبة. أما النوع الثاني فهو ما يمتد إلى الخارج، مثل إيجاد الأشياء وحفظها في الوجود وتنظيمها. والنوع الأول هو كمال الفاعل، أما النوع الثاني فهو كمال المصنوع أو المؤثر فيه. وإذ الفاعل بالطبيعة يسبق المفعول به وهو علته، يستنتج من ذلك أن نوع الأفعال الأولى هو علة الثاني، ويسبقه بالطبيعة كما تسبق العلة المعلول.

وإننا في الجزء الأول قد تحدثنا عن أفعال الله الداخلية. أما في الجزء الثاني هذا فسنحدث عن أفعاله تعالى إلى الخارج. فإنما وُرد: “بأفعالك كلها تمتمت، وفي أفعال يديك تأملت” (مزمور 143: 5)، ونستطيع أن نفهم الأولى كأفعاله تعالى الداخلية كالتعقل والإرادة، ولعل “أفعال يديك” تشير إلى خلقه تعالى كل الأشياء وحكمه إياها. وبالنسبة لغنى الله الداخل والخارجي ورد أيضاً: هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (سورة يونس 10: 68).

والتأمل في أفعال الله ضروري إلى معرفته، وهذا أولاً لكي ندهش من الحكمة التي أوجد الله كل شيء بها ونتذكرها، كما نسمع: “ما أعظم أعمالك يا بر، لقد صنعت جميعها بالحكمة” (مزمور 104: 24). صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (سورة النمل 27: 88).

وثانياً إن التأمل في أفعال الله يقودنا إلى التعجب من قدرة الله العُليا وبالتالي يلهمنا تقوى الله. فإن الفاعل أقوى مما يفعل. ولذلك قيل خاصة للفلاسفة: “وإن دهشوا من قدرتها وفاعليتها فليفهموا منها كم مكوِنها أقدر منها” (الحكمة 13: 4). “فمنذ خلق العالم لا يزال ما لا يظهر من صفاته، أي قدرته الأزلية وألوهيته، ظاهراً للبصائر في مخلوقاته” (إلى أهل رومة 1: 20). اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (سورة السجدة 32: 4)، يتعالى على كل ما صنعه.

ومن هذا التعجب ينتج تقوى الله، فإنما قيل: “لا نظير لك يا رب، عظيم أنت وعظيم اسمك في الجبروت، من لا يخشاك يا ملك الأمم؟” (إرميا 10: 6). وبعد صفة عجائب الخليقة نسمع: كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (سورة فاطر 35: 28).

وثالثاً إن تأمل في أفعال الله هذا يقود أنفس الناس إلى محبة خيرية الله. إذا كان خيرية المخلوقات وجمالها ولذاتها تجلب أنفس الناس هكذا، فخيرية الله، التي تبزّ الخير الجزئي المنتشر في المخلوقات، ستوقد أنفس الناس بمحبته وستجلبها إليه. فإذاً قيل: “لأنك يا رب بصنعك فرّحتني، ولأعمال يديك أهلل” (مزمور 92: 5). وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (سورة القصص 28: 68).

وأخيراً التأمل في أعمال الله تمنح الناس مشابهة ما لكمال الله. فإن العقل بمساعدة الإيمان بالوحي الإلهي يتعود أن يرى شبه الخالق في المخلوق وكذلك يشترك بنوع ما في حكمة الله. فإذاً نسمع: “ونحن جميعاً نعكس صورة مجد الرب بوجوه مكشوفة كما في مرآة، فنتحول إلى تلك الصورة، ونزداد مجداً على مجد” (2 قورنتس 3: 18). قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا (سورة الأنعام 6: 104).

فتبين إذاً أن التأمل في مخلوقات الله له دور في بناء الإيمان، كما وُرد: “سأذكر الآن بأعمال الرب وأخبر بما رأيت. بأقوال الرب كانت أعماله والخليقة تطيع مشيئته” (يشوع بن سيراخ 42: 15). إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (سورة البقرة 2: 164).

وإن معرفة طبائع المخلوقات مفيدة لمقاومة الضلال في الكلام عن الله. فإن الأغلاط حول المخلوقات قد يُضل من الإيمان حيث تتنافر معرفة حقيقة الله، وهذا بعدة الوجوه:

أولاً فإن البعض بجهل طبيعة الخليقة ينصبون كالإله أو المبدأ الأول شيئا لا محال إلا من أن يقبل وجوده من غيره. فإن هؤلاء، لأنهم يتفكرون أنه لا موجود وراء عالم المرئيات، يجعلون الله نوعاً ما من الجسم، كما يلاحظ النص: “لكنهم حسبوا النار أو الريح أو الهواء اللطيف أو مدار النجوم أو المياه الجارفة أو نيّري السماء آلهة تسيّر السماء” (الحكمة 13: 2). فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (سورة الأنعام 6: 76-78).

ثانياً فإن البعض يعزون إلى بعض المخلوقات ما لا يوجد إلاّ في الله. وهذا الضلال ينتج أيضاً من الغلط حول الخليقة. فإن ما هو متعذر على طبيعة الشيء لا يُعزو إليه إلاّ بجهل طبيعته. وإن ما الله يختص به متعذر على المخلوق، بعين الدليل أن ما يختص به الإنسان هو متعذر على طبيعة شيء آخر. ومثل هذا الغلط ينتج عن جهل طبائع الخليقة، كما وُرد: “فأطلقوا على الحجارة والأخشاب الاسم الذي لا يُشرك فيه أحد” (الحكمة 14: 21). فإن هذا الغلط يقترفه الذين يزعون خلق الأشياء أو معرفة المستقبل أو عمل المعجزات إلى ما هو سوى الله من المبادئ. أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (سورة النحل 16: 17).

ثالثاً فإن البعض بجهل طبيعة الخليقة يطرحون من قدرة الله في تأثيره على المخلوقات. وهذا واضح في حال الذين يقولون أن الأشياء تصدر من الله لا بإرادته بل بضرورة طبيعية. ويضح أيضاً في حال الذين يسحبون بعض الخليقة أو كلها من العناية الإلهية، أو ينفون إمكانية عملها في ما عدا سير الأشياء العادي. وكل هذه الأقوال تنتقص قدرة الله، كما يردها النص: “قالوا لله، ابتعد عنا، وماذا يصنع بنا القدير؟” (أيوب 22: 17). “تعرض قوتك للذين لا يؤمنون بكمال قدرتك” (الحكمة 12: 17). وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (سورة الزمر 39: 47).

وأخيراً إن الإنسان بجهل طبائع الأشياء يجهل رتبته في نظام العالم. فإن البعض يضلّون بظنهم أنهم يخضعون لبعض الخلائق التي يفوقونها درجة. وهذا حال المنجّمين الذين يعتقدون أن الحوادث البشرية تخضع للنجوم. ويرد هذا القول النص: “ولا تفزعوا من آيات السماء التي تفزع منها الأمم” (إرميا 10: 2). وأيضاً هذا حال الذين يظنون أن النفس الإنسانية غير خالدة، وكذلك حال الذين ينصرون حقوق الحيوانات ويشجبون ذبح الحيوانات للأكل أو للتجربة العلمية، أو ينصرون الإجهاض لتخلو كفاية الأرض للحيوانات الوحشية. ويرد هذا القول النص: “قم فاذبح وكل” (أعمال ابرسل 10: 13). وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (سورة المؤمنون 23: 21-22).

فبتبين إذاً  أن يغلط من قال أن الرأي الغير صحيح حول الخليقة لا يضر حق الإيمان إن صح الفكر في الله. فإن الغلط في الخليقة بتخضيعها لعلل منفرقة عن الله يسيل إلى الظن الضال حول الله ويجر عقل الناس عنه ضد توجيه الإيمان الذي يجلب الناس إلى الله. ولهذا يعد الوحي الذين يغلطون في الخليقة بعذاب أليم كما يعد الكفار: “فإنهم لم يعرفوا أفعال الرب ولا صنع يجيه فهو يدمّرهم ولا يبنيهم” (مزمور 28: 5). وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (سورة ص 38: 27).

وإن الفيلسوف والمتكلم كل منهما يتأمل في الخليقة بأسلوب خاص، فإنما الفيلسوف يتأمل في الخلائق كما هي في أنفسها، والمتكلم أو اللاهوتي يتأمل فيها كما تنتسب إلى الله.

وأيضاً كل ما هو عام للفيلسوف وللمتكلم في درسه فإنما يدرسانه بمبادئ مختلفة. فالفيلسوف يستدل من العلل الخاصة للأشياء، والمتكلم يستدل من المبدأ الأول. فإذاً علم الإلهيات المنزّل هو الحكمة العُليا لأنه يتجه إلى المبدأ الأول. والحكمة الإلهية أحياناً تستعمل المبادئ الفلسفية، كما علم ما بعد الطبيعة (أو الإلهيات الفلسفية) يستعمل معطيات كل العلوم لأهدافه.

وأيضاً يختلف العلمان في ترتيبهما، فإنما الفلسفة تدرس الخلائق في أنفسها ومن ثم تصعد إلى معرفة الله، بينما خصوصية اللاهوت أو علم الكلام هي أن تبتدأ بالله ومن ثم يدرس الخلائق بحسب نسبتها إلى الله. وإن ترتيب اللاهوت أكمل من ترتيب الفلسفة لأنه يشبه علم الله أكثر منها، فإنه تعالى بمعرفة نفسه يعرف ما سواه مباشرة.

2.2       قدرة الله

إن الله مبدأ الوجود لما سواه ، لأنه كمال الوجود وفعل محض يخلو من كل نقص، وعليه يتوقف كل ما سواه لوجوده ولأعماله.   وإنما هو إشارة إلى كمال ما هو بالفعل أن يمكنه أن يفعل شبهه. فإذاً إن لله القدرة أن ينشأ موجودات أخرى وجودها شبيهة ما لوجوده. وأيضاً بالنسبة ما كان الشيء أكثر بالفعل فأكثر ما قدرته تمتد إليه. فإذاً قدرة الله تمتد إلى أنواع الأشياء المخلوقة وأعدادها لا متناهية. ولذلك قيل: “الذي يصنع عظائم لا تُسبر وعجائب لا تُحصى” (أيوب 5: 9). وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ ءَايَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا (سورة الزخرف 43: 48).

فتبين أن القدرة الفاعلة تُنسب إلى الله، فإنه أصل الوجود لسائر الموجودات. وأيضاً فبالنسبة ما كان الشيء أكثر بالفعل -وإن الله الفعل الصرف- فأكثر ما تمتد قدرته الفاعلة. وعليه أن الكمال الإلهي يشتمل كمالات كل الأشياء، ومنها القدرة الفاعلة. وأيضاً تحريك الله للأشياء وتأثيره فيها يشيران أن له القدرة ليفعل لإيجادها، كما قيل: “ليس في الآلهة مثلك أيها السيد، ولا شيء كأعمالك. جميع الأمم التي صنعتها تأتي وتسجد أمامك” (مزمور 89: 8-9). قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (سورة الرعد 13: 16).

وإن قدرة الله نفس فعله، لأنه قد رأينا في الجزء السابق أن فعل الله وقدرته عين ذاته. فإذاً يلزم أن يكون اثناهما شيئاً واحداً. وأيضاً إذا كان الفعل متمم القدرة، فقدرة الله لا تتم إلاّ بذاته. فإذاً فعل الله ليس بعرض زيد له، بل إنه عين قدرته وهذه عين ذاته.

وإن قدرة الله تنتسب إلى ما سواه، وهذا لأن القدرة مبدأ، والمبادئ تفترق من معلولاتها. فإذاً إن قدرته لا تنتسب إلى أفعاله الداخلية كالتعقل والإرادة، فإن هذه إنما هي أفعال ولا قدرات.

2.3       العلاقة بين الخالق والمخلوق

إنما يقال كثير عن الله بالنسبة للخلائق ، وهذا لأن قدرة الله تنتسب إلى المعلولات الخارجية. وأيضاً إن نسبة الخلائق المتعلقة على الله تحتاج إلى عبارات مقابلة تعتبر نسبة الله إلى الخلائق. وأيضاً شبه الخلائق لله يقتضي الشبه المقابل في الله. وأيضاً توجد نسبة ما في علمه لما سواه، وكذلك منصبه كفاعل الأشياء في العالم وتحريكها ورتبته كالموجود الأول والخير الأعلى.

أما نسب المحمولة على الله بالنسبة إلى الخلائق ليس لها وجود واقعي فيه، فإنما لا يمكنها أن توجد فيه كأعراض في محل، لأنه ليس فيه عرض. ولا يمكنها أن تكون جوهر الله، وإلاّ يتبع أن جوهره تعالى يتعلق على ما سواه، ولم يكن إذاً الموجود الواجب. وأيضاً فبما هو مقياس كل الموجودات هو كمعلوم إلى المعرفة، حيث توجد نسبة واقعية في العارف ولا في المعروف. وأيضاً نسبة الله إلى الموجودات بالقوة هي نفس نسبته إلى الموجودات بالفعل، ولا يمكنها في الحالة الأولى أن تكون واقعية. وأيضاً إن بعض هذه النسب ليست بسرمدية، مثل “الرب” و“الخالق”، وإلاّ لاقتضى تغير في الله، وهذا محال.

ولا يمكنه أن يقال أن هذه النسب توجد في مكان ما خارج الله، وإلاّ للزم أن تتكون نسب أخرى في الله إضافة إلى هذه النسب وهكذا إلى ما لا نهاية له. فهذه النسب إذاً  لا تُعزا لله إلاّ مطابقة لفهمنا.

وينتج أيضاً أن هذه النسب لا يقال على الله بنفس السبيل الذي تُحمل سائر الصفات عليه، فإن صفاته، كالحكمة والإرادة، تدل على ذاته، أما النسب المذكور فلا، وإنما تعتبر منهاج فهمنا.

وبرغم هذا، فإن إدراكنا ليس إدراكاً زائفاً، لأن عقلنا يفهم أن نسب معلولات الله تنتهي إلى الله نفسه، ولهذا يحمل هذه النسب عليه تعالى.

وهذه النسب الكثيرة، التي لا تدل على ذات الله، لا تناقض بساطة الله. وبالعكس، فإنه كلما كان الشيء أكثر بساطة وغير مفرًّق، كان أكمل وأقوى، وأكثر فأكثر تنتسب إليه الأشياء. وهذا يصح خاصة في حق الله.

2.4              تعريف الخلق

إن الله علة وجود كل شيء ، وهذا لأن كل ما يتضمنه الشيء وليس هو ذلك الشيء بعينه، إنما هو في ذلك الشيء بالاشتراك بالعلل الخارجية. فإن نقاء أي صفة توجد في طبيعة واحدة ولا في مزاج طبائع مختلفة. وإذا كان الوجود عاماً في كل شيء، فإن كل موجود أيّما كان يجب أن يشتق وجوده مما ليس لوجوده علة.

وهذا يتبين أيضاً من تعاقب كون الأفراد وفسادها بينما نفس الطبيعة تبقى. وهذا يشير أن وجود الأفراد يتوقف على علة خارجية يلزم أن يكون لها الوجود بالمستوى الأعلى وأن هذا الوجود يكون واجباً وكمالاً وفعلاً محضاً.

وأيضاً إن ترتيب العلل تطابق ترتيب المعلولات بالإلزام، لأن المعلولات تناسب العلل. أما الوجود فإنه يعم كل شيء. فإذاً وراء كل العلل علة فعلها الخاص هو أن تعطي الوجود، وهذه الله.

وأيضاً إن الله وحده عين وجوده، وكل ما سواه موجود بالاشتراك، فإن لسائر الموجودات وجود مخلوق مشترك في وجوده تعالى.

فإذاً نسمع: “صانع السموات والأرض والبحر وكل ما فيها” (مزمور 146: 6). إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (سورة الأعراف 7: 54).

وإن الله أوجد كل شيء من العدم. وبرغم أن تتكون أشياء العالم من مادة سابقة الوجود تحت صورة أخرى، فكل الوجود، باشتمال المادة، إن له الوجود من الله، فإن فعله لا يحتاج إلى مادة سابقة. وهذا لأنه تعالى هو العلة العامة والعُليا للوجود نفسه، بينما سائر العلل تنحصر في معلول خاص، تنشأه بتحريك أشياء أخرى وتغييرها.

وأيضاً لأن الله كمال الفعل، إنه يسبق انفعالية المادة، فإذاً يمكنه أن ينشأ الشء كله، بينما سائر العلل الفاعلة إنما هي جزئية، تنشأ الصورة من المادة السابقة. فإننا نسمع: “في البدء خلق الله السموات والأرض” (التكوين 1: 1). إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (سورة الأعراف 7: 54).

فإذاً إنما يغلط القول أن المادة لا علة لها البتة. فهذه الغلطة إنما تتأسس على المراقبة أنه في أفعال الفعلة الخاصة يوجود دائماً موضوع سابق يُعمل فيه، فلذلك يُفترض أنه العدم يأتي من العدم. وهذا يصح في الفعلة الخاصة، ولا في الفاعل العام، فإنه ينشأ الموجود بكليته، لأن فعله لا يفترض شيئاً سابقاً البتة.

وإن الخلق ليس بحركة أو تغيُّر، لأن كل الحركات والتغيرات تحصل في موضوع يتغير من حال إلى حال أخرى. وهذا لا يصح في الخلق، فإنما هو نسبة التعلق على الخالق.

وإن الخلق غير متواصل، لأن التواصل خاصية الحركة حيث يتغير الشيء خلال مدة زمنية. أما الخلق فهو كون الجوهر كله، “والجوهر لا يقبل درجات” (أرسطو، المعقولات 3: 20). فإذاً إن الخلق لحظي، يحصل في آن غير متجزأ، وإليه يشير النص: “في البدء خلق الله السموات والأرض” (التكوين 1:1). إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (سورة النحل 16: 40).

وإن الجسم أياً كان لا يمكنه الخلق، لأن الأجسام لا تعمل إلاّ بتغير وضعها أو حالها، وهذا يحصل في الزمان ولا في اللحظة، كما هو الحال في الخلق. وأيضاً إن الأجسام لا تعمل بكليتها، بل بقواها الخاصة، ولذلك إنما تأثيرها يُحدَّد في إنشاء صور أو أحوال مخصصة في الشيء وليس الشيء كله. وعليه كلما كانت قدرة الفاعل أقوى كان تأثيره أكبر وأبعد، ولما كان البعد بين العدم والوجود لامتناهياً، الخلق يحتاج إلى قدرة لامتناهية، وهذه لا يمكن لجسم احتواؤها. وأيضاً إن الجسم يلزم أن يمس الشيء قبل أن يعمل فيه، وهذا يفترض سبق وجود الشيء ويمنع معنى الخلق.

وإن الخلق عمل مختص لله وحده، لأن الخلق هو الفعل الأول لا يفترض لأي فعل سابق، وإنما الفعل الأول يستوجب الفاعل الأول. وأيضاً إن الله هو العلة العامة للجميع، ولكنه العلة الخاصة للوجود لأن الوجود هو  المعلول العام في كل شيء. أما الإيجاد فهو عين الخلق لأنه لا يفترض أي موجود سابق. وعليه إن إبداع الوجود يحتوي إبداع طبيعة الموجود أو ذاته. وإنما الفعلة الخاصة لا تنشأ أي طبيعة كطبيعة (مثل “الكلبية”) بل إنما أفراد ذلك الطبيعة (مثل هذا أو ذاك الكلب)، وهذا تفعل بكونها آلات الفاعل الأول. وأيضاً إن كل فاعل طبيعي قادر أن يضاعف صفاته الخاصة أو الجنسية، ولكنه لا ينشأ وجود المفعول المباين لوجوده، بل يفترضه، وإنما إبداع وجود الشيء يختص به الخالق الذي فيه شبه كل شيء. وأيضاً إن الفاعل الطبيعي إنما يختص بإنشاء صورة الشيء الجديد ولا وجوده إلاّ بالعرض، لأنه أنشأه من شيء سابق الوجود، وبهذا يباين حال الخالق. فإذاً يستحيل للمخلوق، ولو كان ملَكاً، أن يخلق شيئاً. ولذلك وُرد: “في البدء خلق الله السموات والأرض” (التكوين 1: 1). وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (سورة الأنعام 6: 101).

2.5              ما تتعلق به قدرة الله وكيف تعمل بالحرية والحكمة

إن قدرة الله تمتد إلى كل شيء. وإن بعض الأشياء تلتزم أن تصدر مباشرة من الله، وبينها الملائكة الذين هم محض صور، وكذلك المادة الأولى كلها وفعل الوجود في كل شيء. فهكذا تمتد قدرة الله إلى كل ما لا يتعذر وجوده، كدائرة مربعة. وإن قدرة الله الفاعلة تسع حميع نطاق القوة الانفعالية في الخلائق، أيما يمكنها أن تصبح. فإذاً لا شيء يمكنه أن يحدد قدرته تعالى: لا عدم التصميم، لأنه العلة المثالية لكل شيء، ولا عظم الفعل، لأن خيره وكماله يفوقان كل شيء، ولا عدم القابلية في المادة، لأنه خالق المادة.

فإذاً نرفض رأي فلوطين وابن سينا أن الله لا يمكنه أن يخلق إلاّ شيئا واحداً وهذا يخلق الباقي. فإن الله يوصف بأنه على كل شيء قدير: “لك يا رب العظمة والجبروت والجلال والبهاء والمهارة، لأن لك كل ما في السماء والأرض، ولك الملك، أيها الرب” (الأخبار الأول 29: 11). وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (سورة عمران 3: 189).

وإن فعل الله لا يصدر بالضرورة عن طبيعته، فإن تنوع اعماله يشير إلى حرية إرادته. وتشير إليه أيضاً عدم التعذر على أن ينصب العالم بتصميم آخر وآخر بلا نهاية. وهذا لأن مشروعات الله ليست فيه بالغريزة بل بالعقل العامل بالإرادة. فإن تعقل الله وإرادته ثابتان في الله، وهما كماله وعين ذاته، وإنهما تفيضان خير العالم العام، وعليهما تتعلق كل أعمال الخلائق التي تتجه إلى خيرات مخصوصة بحسب ما تقدرها طبائعها. فإننا نسمع: “كل ما شاء الرب صنع في السموات والأرض” (مزمور 135: 6). إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (سورة الحج 22: 14).

وإن الله يعمل بالحكمة، لأنه يعمل بحرية الاختيار حسبما عقله يمليه معرفة ذاته ومعرفة نظام كل شيء ممكن الوجود. فإن معرفة الذات اللإلهية ومعرفة نظام كل الأشياء بينها ومعرفة اتجاهها إلى هدفها الأخير هي الحكمة. ولهذا نرفض رأي موشي بن ميمون والعشائرة أن الله يعمل بمحض الإرادة. أما فنية الله السُميا فيمدحها النص: “ما أعظم أعمالك يا رب، لقد صنعت جميعها بالحكمة” (مزمور 104: 24). فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (سورة المؤمنون 23: 14).

وبرغم لامتناهية قدرة الله، إن بعض الأشياء متعذرة لله، فلأنه ليس له قوة انفعالية، لا يكمنه أن يكون جسماً (فإن الجسم مادي ومتغير)، وكذلك يستحيل التغيير فيه البتة، أو أن ينعدم، أو أن ينقصه شيء، أو أن يتعب أو أن ينسى أو أن يُغشى عليه أو أن يتعذب من أي أذى أو قسر، أو أن يندم أو يغضب أو يحزن على أي شيء، فإن كل هذه تستوجب الانفعال والنقص.

كذلك في الخلائق لا يمكنه تعالى أن يعمل شيئاً يعارض طبيعة الموجود.   فيستحيل مثلاً أن يعمل أن يوجد الشيء وينعدم في نبس الوقت، أو أن يتواجد الضدين في محل واحد، فإن هذا تناقض. وكذلك لا يمكنه أن يعمل شيئاً ينقص مبادئ وجوده، مثل إنسان ليس له نفس ناطقة، أو أن تكون قوانين حسابية كاذبة، أو ان يجعل مل كان أن يكون لم يكن.

وكذلك لا يمكنه أن يسحب شيئاً من تعلقه عليه تعالى، أو أن يعمل إلهاً آخر مساوياً لنفسه أو مستقلاً عنه. وكذلك لا يمكنه أن يعمل ما لا يمكنه أن يريد، مثل أنه تعالى لا يوجد أو لا يكون خيراً وسعيداً، أو أن يريد شر العصية، أو أن ما يريد لا ينجز - بافتراض أن يريده، ولو يمكنه إطلاقاً أن لا يريده. وينتج من هذا أيضاً أن لا يمكنه أن يعمل ما لم يعرف سابقاً.

فإذاً لا حد لما يمكن عقل الله وإرادته أن يشرعا، لأن داته وقدرته غير ناضبتين. فإن لامتناهية أنواع المخلوقات وأعدادها لا تساويه، لأن قدرته تمتد إلى مضمار الموجود كله. فإن الله يخلق العالم وينظمه بحسب اختياره الحر، ولو اختار نظاماً واحداً معيناً وفقاً لحكمته، كما نسمع: “إلهنا عظيم شديد القوة، ولا قياس لإدراكه” (مزمور 147: 5). وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة النحل 16: 18).

وأيضاً لا يدين الله للمخلوقات بأي شيء، لأنه ما خُلق من العدم لا دين له عن مصدره. وأيضاً لا يقبل الله شيئاً من الخليقة بأن يدين له، ولا يتوقف عليه كما يفترض دين العدل. فإذاً نسمع: “فمن الذي عرف فكر الرب أو من الذي كان له مشيراً؟ ومن الذي تقدمه بالعطاء فيُكافأ عليه؟” (إلى أهل رومة 11: 34-35 = أشيا 40: 13). لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (سورة الأنبياء 21: 23).

وبرغم أنه ليس في الخليقة من يدين له الله، فإنه يليق بخيريته أن يعطي المخلوق ما يحتاج إليه لكماله. وإنما هذا من الملاءمة ولا من العدل، لأنه لا يدين لنفسه.

أما في العالم فإن بعض الأشياء ضرورية بافتراض اختيار سابق. ومثل هذا أنه بما اختار الله أن يخلق أرضاً مسكونة، كان لازماً أنه تعالى يخلق الشمس ونظم السماء ليحفظ الحياة على الأرض. وكذلك عندما قدر الله أن يخلق الإنسان، كان لازماً أن يعطيه نفساً ناطقاً وجسماً وحساسات وسائر الأعضاء الضرورية لحياة الإنسان. وإنما كل هذه الضرورة تنحصر في علائق الخليقة، ولا يجلب على الله أي دين العدل.

وعلينا أن نجتنب طرفين متباينين، والأول القول أن الله مجبور أن يفعل ما يفعل ولا يمكنه أن يعمل شيئاً آخر، والثاني القول أنه يحكم العالم بمجرد إرادته الاعتباطية ولا يمكن أن يُكشف أي سبب أو نظام لأفعاله.

أما بعض المخلوقات فإنما هي ضرورية مطلقاً، لأنها صور خالصة غير مادية، ولذلك غير قابلة للانفعال والإفساد. والطريق الوحيد لإعدامها هي أن الله يتوقف عن حفظها في الوجود. وهذا شأن قدرة الله الفاعلة، ولا شأن قوة المخلوقات الانفعالية. وإنما يليق بالله أن يعمل بعض الخلائق أقرب ما يمكن مشابهة لنفسه. وهكذا المخلوقات الروحية تشابه الله بأنها واجبة، ولو كان وجوب وجودها معلولاً. أما المخلوقات الجسمية فإنها قابلة الفساد ضرورة.

و يوجد نوع آخر من الضرورة المطلقة في المخلوق، وهو أن يكون للشيء بعض الأجزاء الذاتية، مثل محتويات التعريف الحسابي، وأيضاً في الطبيعيات مثل أن يكون للإنتسان جسم عضوي ونفس ناطقة والخوائص الأولية الناتجة عن هذين الجزئين.

وبالنسبة للعلل الفاعلة، فإن الكيفيات الفاعلة، مثل الحرارة، يجب أن تكون لها الاستطاعة أن تحرر غيره، ولكن التسخين الفعلي يتعلق على تلامسهما وعلى قابلية المفعول فيه. أما بالنسبة للعلل الغائية فإنما في الأشياء الطبيعية غريزة مطلقة إلى أهدافها الطبيعية، مثل ثقل الجسم الجاذبه إلى جسم آخر، وغريزة النبات لتنمو إذا تعرضت للماء والشمس. وكذلك الإرادة الإنسانية لا يمكنها أن تريد شيئاً إلاّ تحت زي الخير. أما تنجيز الإرادة يتوقف على الظروف السامحة.

وما قلنا هنا في هذا الموضوع إنما هو موجز، وكثرة الكلام فيه عير ضروري.

2.6              هل يمكن أن يكون الخلق قديماً

ويُحتاج أولاً أن يُبين أن الخلق القديم غير ضروري. فإذا كان ضرورياً أن توجد أي خليقة من القدم، فإن الضرورة هذه كانت إما من نفسها -فإذاً لم تكن بعد خليقة بل المبدأ الأول أو الله- وإما من غيره. وفي الحال الأخيرة يلزمنا أن نفترض أن الله خلق من الضرورة، وقد أبطلنا هذا الرأي. فإذاً يتوقف وجود المخلوقات على إرادة الله الحرة، وليس عليه أي دين ليخلق أي شيء. فإن كل ما هو ضروري في الخلائق إنما هو من ترتيب العلل المخلوقة وليس من المبدأ الأول. ومثل هذا، إن كان يركض فلان يجب أن يتحرك، ولكن لم يوجب أن يكون يركض.

وهنا نلحظ بعض المعارضات وأوجبتها في مسألة ضرورة قدم الخلق من جانب الله:

  1. الفاعل الذي ليس يفعل دائماً إنما يُحرَّك، أما الله فلا يتحرك البتة بل إنما يبقى دائماً في حال واحدة. فإذاً كان يخلق دائماً.  — نجيب أن الله لا يتغير عندما يعمل شيئاً جديداً لأن فعله عين ذاته.
  2. لو لم يكن يخلق دائماً للزم أن يحرِّكه للخلق فاعل آخر.    — ونجيب أن فعل الله قديم، ولكن ليست المخلوقات بقديمة لأنه تعالى يخلقها اختياراً، وهذا يعني أنها تبتدأ أن يوجد في وقت الذي قدر أن توجد.
  3. إن كان الله هو علة الخلق ولا يتبع المخلوق فوراً، فإنه ليس بعلة كافية ويحتاج إلى شيء زائد من الخارج ليخلق، وهذا محال. — ونجيب أن المعلول الخاص لإرادة الله ليس أن الأشياء توجد طول مدة وجود إرادته، بل أن توجد في الوقت الذي يريد أن توجد.
  4. إن الفاعل المختار لا يأجل فعله إلاّ إذا كان ينتظر حتى ينضج شيءٌ، إما في نفسه وإما في الظروف الخارجية. أما الله فكل ما أراد، إنما أراده من القدم، وليس شيء ناقص في قدرته، وليس شيء ينتظره من جانب الخلائق. فإذاً كان يلزم عليه أن يخلق من القدم.     — ونجيب أن تنجيز إرادة الله لم يؤجل بل إنما توجد الأشياء   في الوقت الذي اختاره من القدم.
  5. إن لم يكن فرق بين المختارات لا يمكن اختيار واحد فضلاً عن آخر. أما آن واحد فليس أفضل من آن آخر لبداية الخلق. فإذاً يلزم الخلق إما أن يكون قديماً وإما أن لم يوجد قط.    — ونجيب أنه قبل الخلق لم يكن وقت أو آوان ليختار الله منها، بل الاختنار الوحيد هو بين الخلق من القدم أو من نقطة بداية الزمن.
  6. فإن هدف الخلق هو خير الله. وإذ كان خيره قديماً، ظهر أن بعض الخلائق يليق بها أن تكون قديمة، لأنه إن لها دائما‌ نفس النسبة لخير الله. — نجيب أن خير الله هو فعلاً هدف المخلوقات، ولكن لا يستفيد منها. فإذاً محبته لخيريته لا يستلزم وقت الذي يختار لتوجد هذه المخلوقات.
  7. إن الله لا يستفيد من المخلوقات، ولكنها تُظهر خيره حسب درجة كمالها. فإنما أكثر ما كان الخليقة دواماً فأكثر ما تُظهر خير الله. فإذاً يظهر أن بعض الخلائق كان موجودة من القدم. — نجيب أنه يليق بالمخلوق أن يبتدأ في الزمان لتوضح البعد اللامتناهياً بين الخليقة وبين الخالق وتعلقها عليه وعلى إرادته الحرة.

وهنا نلحظ بعض المعارضات وأوجبتها في مسألة ضرورة قدم الخلق من جانب المخلوقات:

  1. إن بعض الخلائق ليس فيها قوة للعدم، لأنه ليس لها مادة. فإذاً كان واجباً أنها توجد من القدم. — ونجيب أن هذا النوع من الأخلاق، مرة توجد، تستمر في الوجود. ولكن إبداؤها لم يكن ضرورياً.
  2. إن قوة الخلائق الروحية وقوة المادة هي أن توجد دائماً. فإذاً كان واجباً أن توجد من القدم. — ونجيب أن هذه القوة تفترض وجودها الفعلي، وهذا ليس بضروري.
  3. إن كل حركة تسبقها حركة أخرى أو هي قديمة. فإذا كانت الحركة قديمة لزم ذلك متحرك قديم. فإذاً العالم هو قديم. — نجيب أنه يمكن الشيء أن يحرَّك بدون حركة سابقة من جانب الله أو من جانب الشيء، بحسب إرادة الله القديمة أن يكون للشيء بداية.
  4. وأيضاً إن أنواع الطبيعة تبقى وتتعاقب أفرادها، فإذاً من القدم. — نجيب أن   بقاء الأنواع يفترض وجود هذه الأنواع.
  5. وتتبين حتمية قدم الزمانم، لأن النقطة في الزمان التي نسميها “الآن” هي نهاية الماضي وبداية المستقبل. — نجيب أن النقطة لا تستوجب أن تكون في الوسط، ولكن يمكنها أن تكون في بداية السطر أو الزمان بدون أن تكون نهاية شيء سابق.
  6. لو لم يكن الزمان قديماً للزم أن يكون ما هو قبل بداية الزمان. وهذا، إن كان زماناً، يستلزم موضوعاً متحركاً، وهذا من القدم. — نجيب أنه قبل الخلق لم يكن زمان، والقبلية تدل على زمان مخيَّل، كما تدل مقولة “خارج العالم” على مكان مخيَّل.
  7. إن بعض الحقائق العلمية هي دائماً حقيقة. وليست هي في الله. فإذاً هي في عقل مخلوق قديم. — نجيب أن هذه الحقائق، التي هي مرتكبة من صفة محمولة على موضوع، إن لها وجود إما في الأشياء الموجودة التي تنتسب إليها، وإما، إن لم تكن هذه الأشياء موجودة، في العقل الإلهي.

وهنا نلحظ بعض المعارضات وأوجبتها في مسألة ضرورة قدم الخلق من جانب عمل الخلق:

  1. إن المقولة “لا يُصنع شيء من لا شيء” ليست بكاذبة تماماً. فإذاً يُصنع كل شيء من شيء آخر أو هو قديم.   — نجيب أن هذه المقولة إنما هي ملاحظة معطيات على مستوى الحواس. فإن الفلاسفة الأولون لم يفكّروا التغير إلاّ على المستوى العرضي، مثلاً من المخلخل إلى الكثيف، بحيث كل التغير إنما هو تحويل الكيفيات. والفلاسفة المتأخرون قد وصلوا إلى فكر المادة الأولى ونظروا كيف يتغير جوهر ما إلى جوهر آخر. أما الذين تمعنوا في المسألة، على مستوى ما بعد الطبيعة، فرأوا أن وجود المخلوق كله تبع من المبدأ الأول الوحيد، ولا من شيء سابق الوجود.
  2. إن كل الكون هو نتيجة الحركة، وهي في موضوع متحرك. فإذا لم توجد سلسلة الكون غير متناهية، وصلنا إلى موضوع أول قديم.  — نجيب أن لا تغير في لخلق ، فإن التغير هو من شيء إلى شيء. أما الخلق فهو ليس بتكوين شيء جديد من موضوع سابق الوجود.
  3. إن كل ما يتكون يجب أن يكون ممكناً، وهذه الإمكانية تفترض موضوعاً. وهكذا يجد إما سلسلة التكون غير متناهية وإما شيئاً أولياً قديماً. — نجيب أنه قبل الخلق لم تكن أي قوة انفعالية بل إنما كانت قدرة الخالق الفاعلة والإمكانية المنطقية أنه في وجود الخلائق لا تعارض.
  4. إن الكون يفترض موضوعاً ما يتغير. فإذاً يجب أنه قد سبقت سلسلة الكون لامتناهية أو شيء أولي قديم. — نجيب أن الكون الذي يحصل بسبب الحركة المعدة إنما هو يفترض موضوعاً، أما الخلق فهو كون بدون حركة.

فإذاً لا يجب أن يقال أن الخلق هو قديم، وكذلك نسمع: “في البدء خلق الله السموات والأرض” (التكوين 1: 1). وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ  (سورة الأنعام 6: 101).

ويجب علينا أيضاً أن نجيب على محاولات الاستدلال أنه من المستحيل أن العالم يكون قديماً، لكي لا يظهر أن اعتقادنا بحدوث العالم يعتمد على استدلالات فلسفية ضعيفة، بل إنما نعتمد في هذه المسألة على الوحي وحده. ومن الاستدلالات المذكورة ما يلي:

  1. إن الله هو علة الجميع، والعلل تسبق المعلولات وجوداً.    — نجيب أن هذا يصح في العلل التي يعمل بحركة وزمان، ولا في العلة التي تعمل على الفور بلا تعاقب الزمان.
  2. إن الله خلق كل شيء من العدم، وهذا يعني أنه وُجد بعد العدم. — نجيب أن “العدم” الذي خلقت منه الأشياء لا يجب أن يكون لاوجوداً سابقاً بل يمكن أن يكون معناه أن الشيء القديم يتعلق على الله ولم يوجد من شيء آخر.
  3. لو كان العالم قديماً لكان عدد لامتناه من الأيام أو من دورات الأرض. — نجيب أن عدد الأشياء المتعاقبة لامتناه إنه ممكن، لأنه في أي وقت لا يوجد إلاّ عدد متناه.
  4. لو كان العالم قديماً، بمرور الزمان لازداد عدد لامتناه بزيادة متناه.  — نجيب أن الزمان القديم لامتناه في الماضي ولكنه متناه بالنسبة للمستقبل، فإذاً يمكن أن يزاد على ذلك الزمان بحيث هو متناه.
  5. لو كان العالم قديماً لكانت سلسلة العلل لامتناهية. — نجيب أن سلسلة العلل اللامتناهية ليست مستحيلة إلاّ حيث هذه العلل هي متعلقة مباشرة لنجز المعلول. أما حيث لا تعمل العلل معاً، فإن سلسلة لامتناهية ممكة، مثل سلسلة الكون والفساد في نوع الحيوان.
  6. لو كان العالم قديماً لكان عدد الأنفس البشرية المفارقة لامتناهياً. أما الفلاسفة فأعطوا أجوبة غريبة مختلفة لهذه المسألة، فبعضهم قالوا إن الأنفس المفارقة ليست إلاّ نفس وحيدة، وبعض الآخر قالوا إن عدد الأنفس هو متناه وإنها تتناسخ.   — نجيب أنه لا محال أن يكون عدد الأنفس لامتناه، لأنه لا ترتيب ولا تعلق بينها. أما بجانب آخر إنه من الاستدلالات الجدلية لحدوث العالم أن خير الله يظهر أكثر واضحاً إذا كان هو وحده قديماً. ونختم بالنتيجة أنه ليس استدلال برهاني لقدم العالم أو لحدوثه. وإنما نعتقد بحدوث العالم بطريق الوحي وحده.
  7. أصناف المخلوقات المختلفة

2.7              أصناف المخلوقات المختلفة

وإن تميز أصناف المخلوقات ليس بالاتفاق ، فإن بعض الخلائق مقارقة عن المادة وهي غير فاسدة، فإذاً ليست لها إمكانية التغير، وهذه الإمكانية شرط الاتفاق، وبرغم هذا إن هذه الخلائق متفرقة بينها. وأيضاً تمييز الأنواع الطبيعية ليس من الاتفاق بل من الصورة والمادة وهما لا تتغيران. وأيضاً إن بعض الأشياء كانت مميًّزة في بداية الخلق حيث لم يلعب الاتفاق دوراً بعد. وأيضاً نلاحظ أنه لكل نوع طبيعي له أعمال وحركات خاصة لها تعمل بها دائماً أو في أكثر المرات، وهذه الأعمال تشير إلى أن الاتفاق ليس مصدر الأنواع الطبيعية. وأخيراً إذا كان الله هو صانع العالم وقصد خيره العام، نتج أنه قد ميز أنواعه ونظم أجزاءه. فإذاً نسمع: “وفصل الله بين النور والظلام ورأى الله جميع ما صنعه فإذا هو حسن جداً” (التكوين 1: 4،31). سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ وَءَايَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (سورة يس 36: 36-40).

ولهذا نرفض أراء ديموكراتيس ولوسفوس الذين قللا كل تميز الطبيعة إلى أشكال سحب الذرات مختلفة تحصل باتفاق. ونفس النقد يصح ضد بعض أنحاء النظرية النشوئية من حيث تنافي كل ثبوت في الطبيعة ولا ترى أي حاجة إلى العقل في إنشاء نوع طبيعي جديد.

وإن المادة ليست العلة الأولى لتميز الأشياء، فإن المادة ليس لها تخصيص لأي شيء، وعدم التخصيص هذا هو عين معنى الاتفاق. وأيضاً إن الفاعل والصورة هما مخصصا ما سيكون الشيء. فإن المادة تتشكل عن الصورة، إلاّ في قضية التشوه، فإنه يقع من مقاومة المادة لنية الفاعل. وأيضاً إن المادة نفسها معلولة، فإذاً إن تميزها من آخر ولا من نفسها. وأخيراً لأن الله فاعل عقلي يقصد إلى أن الأشياء السفلى تخدم الأشياء العليا، فإن المادة تخدم الصورة، ولذلك إن تميز الأنواع لا يحصل عن اختلاف استعداد المادة، بل تحصل اختلافات المادة من اختلاف الصور.

وإن تميز الأشياء ليس من فعلة مختلفة، لأن الأشياء المختلفة في العالم لها أنظمة ترتيبية فيما بينها، وإن الترتيب الكلي يلزم أن يحصل عن علة واحدة. أما القول المعارض فعبرت عنه الثنائية المانكية التي تفترض مبدأين متعارضين، أولهما الخير والثاني الشر. وضعف هذا القول هو أنه، إن كانت خيرة الأشياء من أصل هو خير بنفسه، فإذاً يلزم أن تأتي شريرية الأشياء من أصل هو شر بنفسه، ويلزم أن يكون هذا الأصل العدم، لأن الشر هو عدم. وأيضاً إن الشر بحيث هو شر هو العدم ولا يستطيع أن يعمل. وأيضاً من جانب الغائية لا يمكن الشر أن يُنوى، إلاّ من حيث كان متصلاً لشيء خير. وعليه إن الأضداد نتيجة فعل وحيد، مثل كون الشيء إنه فساد شيء آخر. ولذلك نسمع: “أنا الرب وليس من رب آخر. أنا مبدع النور وخالق الظلام وصانع الهناء وخالق الشقاء، أنا الرب صانع هذه كلها” (أشعيا 45: 6-7). كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (سورة الأنبياء 21: 35). وإن “خلق الشقاء” يعني خلق ما هو خير في نفسه ولكن هو ضار للآخر، مثل الذئاب والناموس.

وإن تميز الأشياء لا يمكنه أن يحصل عن فعلة دون الله، فإن الفارابي وابن سينا قالا إن المبدأ الأول لا يمكنه أن يصنع إلاّ شيئاً واحداً، وهذا الشيء، بقوته الفاعلية والانفاعلية، يمكنه أن يصنع شيئين وهذان يصنعان أشياء أخرى إلى الآخرة. وضعف هذا القول هو أنه يشرح اختلاف الأشياء بعدة العلل، كل واحدة منها ينشأ معلولاً خاصاً، أما نظام الكل فهو غير معلول وهو نتيجة الاتفاق، عوض أن يُنسب نظام الكل إلى الله الذي هو مسأول خير العالم. وأيضاً إن الفعلة الثانوية في العالم تعمل كمنفعلة عن الفاعل الأول لغاية نظام العالم كله وخيره، فإذاً إن الفاعل الأول الذي عنده تصميم العالم كله يستطيع أن ينشأ أشياء مختلفة، كما مسمع: “في البدء خلق الله السموات والأرض” (التكوين 1: 1). الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ (سورة الأنعام 6: 1).

ولا يمنكن أن يقال إن ألله خلق المادة وأن الملائكة أعطوها الصور المختلفة، لأن المادة لا يمكنه أن توجد بدون الصورة. وأيضاً إن الملائكة لزم عليها أن تعمل بأشياء سابقة الوجود، كما فعلة العامة في العالم (كالشمس والمطر والريح) تفيد إلى كون أفراد في الأنواع الموجودة، ولا تعمل أنواعاً جديدة. فإن أفراد أي نوع هي العلل الخاصة لأفراد جديدة في نفس النوع، أما الصورة نفسها، كالوجود الذي يحصل للشخص بصورته ولا بمادته، فهي معلولة المبدأ الأول. وأيضاً إن الأشياء بصورها الخاصة لها شبه الله الذي هو فعل محض، وإن الشبه يدل على مبدأ الصورة. ولذلك نسمع: “لتخرج الأرض ذوات أنفس حية بحسب أصنافها: بهائم وحيوانات دابة ووحوش أرض بحسب أصنافها” (التكوين 1: 24). وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (سورة النور 24: 45).

ولا يحصل تميز المخلوقات عن الاستحقاق أو عدم الاستحقاق قبل هذه الحياة، كما زعم أورجين، فإنه قال إن كل الأرواح خُلقت مساوية، أما بسبب اختياراتها فبعضها أصبحت ملائكة وبعضها أناساً في حالات ودرجات الكمال مختلفة، وإن سائر المخلوقات المادية صُنعت بالنسبة لهذه الاختلافات. أما وضعف هذا القول فهو أن نظام العالم، الذي يحتاج إلى أشياء كثيرة مختلفة، هو الخير، الأول المقصود للخالق، ولو خُلي هذا النظام لاختيار خلائق منفصلة مساوية، لكان من الاتفاق ولا من التصميم. وأيضاً فإن كل اختلاف في الاختيار عرضي للمخلوق عقلي ولا يكوّن نوع طبيعته، فإذاً، بحسب هذا القول، يلزم أن كل الملائكة والناس ينتسبوا إلى نوع واحد، وهذا بيّن البطلان. وأيضاً لو كان نوع الجسد الذي تتصل إليه النفس هو نتيجة اختيار سابق، لكان اتصالها للجسد زيادة عرضية للطبيعة الكاملة التي قد أمست عليها. وأيضاً بحسب قواعد هذا القول إن النفس يمكنها أن تتجسد بالجسد الخير أو الشر، وكذلك أن تتناسخ، وهذا باطل لأنه ضد الوحي وأيضاً لأنه مستحيل بأدلة الفلسفية، لأن الصور المخصصة تحتاج إلى مادة خاصة.

وأيضاً يلزم على أورجين أن يبين، إن خُلقت الأرواح مساوية، كيف تتميز عن بعضها قبل أن تختار شيئاً، فلا يمكنه أن تتميز بسبب المادة المقيّسة بالكمية، لأن هذه خاصة للأجسام. فإذاً يلزم أن تتميز بالصورة، أما الصورة فلا تتميز عن صورة إلاّ بالنوع. وأيضاً إذا لم تحتاج الأرواح إلى جسد فالجسد إذاً غير فائد لوجودها ولتميزها، أما إذا احتاجت إليه فلزم أن يُخلق معها.

وأيضاً إن تميز الحيوان الناطق عن الروح المحض أكثر من التميز بين الأرواح المحضة، فإذاً التميزات الطبيعية التي يصنع الله هي كبرى من تميز الأرواح المزموع عن اختيارها. وأيضاً لو اختارت كل هذه الأرواح المتساوية نفس الاختيار، لكان العالم المادي المناسب له مصنوعاً بصورة وحيدة، وهذا لا يظهر خير الله.

وأيضاً إن الرأي أن الأرواح تهبط في جسم معين بسبب خطاياها يفترض أن المادة شريرة، كما زعم المانكييون. أما بالنسبة للخليقة المادية يسمع: “ورأى الله جميع ما صنعه فإذا هو حسن جداً” (التكوين 1: 31). فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (سورة المؤمنون 23: 14).

إن سبب تميز المخلوقات هو إظهار خير الله كما يقصده، فإن المخلوقات تظهر خير الله إظهاراً ناقصاً بشبهها له، وإن قليل من المخلوقات تظهر خيره بأقل الكمال من كثير منها. فإذاً بالنسبة ما كان أكثر تميزُ المخلوقات فأكثر تُظهِر خيره. وأيضاً إن للمادة قوة واسعة، ولو كان في الطبيعة قليل من الأنواع لكان قوة المادة قليل الإنتاج، فإذاً يليق بالله أن يُظهر شبهه بعدد كبير من الأنواع من عددها اللامتناهي الذي يعرفه. وأيضاً إن تميز المخلوقات تفترض تبادل الخير من مخلوق إلى مخلوق، وهذا التبادل يظهر بنوع آخر خير الله المفيض. فإن نظام العالم كله بأجزاء مختلفة هو أحسن من أي شيء واحد في العالم ويُظهر بطريق أحسن خير الله. فإذاً نعود ونقول: “ورأى الله جميع ما صنعه فإذا هو حسن جداً” (التكوين 1: 31). فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (سورة المؤمنون 23: 14).

2.8              ماهية المخلوقات العقلية

إنه مناسب أن تكون خلائق عقلية في قمة الخليقة ، لأنه المناسب أن كل الخليقة، لما صدرت عن الله كمبدأها، تعود إليه، تكمل الدائرة. فإن كل الخلائق تعود إليه بمشابهتها له في وجودها وطبائعها، أما الخليقة العقلية فإنها تشابهه بعقلها وإرادتها، فإن عقل الله وإرادته مصدر الخلق، كما رأينا سابقاً. وأيضاً إن الخليقة العقلية تشترك في عناية الله تنقل خيره لغيرها بطريق التدبر والاختيار. وعلى هذا تشترك في خير الله بأن تعرفه وبأن تقتدي به في معرته الواسعة للخلائق.

وإن للجواهر العقلية إرادة، لأن كل شيء له انقياد للخير. فإن الأشياء الغير عارفة لها نزوع طبيعي، والأشياء ذات إحساس لها نزوع حسي. وبهذين نزوعين لا يحرِّك الأشياء أنفسها، بل إنها مغروسة في طبائعها وبموضوع شهوتها، فإن الأجرام تنجذب بما هو أثقل منها والحيوانات تتبع ما يطابق طبائعها. وإنما الخلائق العقلية صاحبة أفعالها وإنها حرة أن تفعل أو تترك الفعل، لأنه يمكنها أن تتفكر وتختار حراً، فإن علمها كلي، لا ينحصر إرادتها في شيء واحد.

وإن للجواهر العقلية إرادة حرة، كما ينتج إن كانت إرادتها تتأسس في معرفة عقلية، تتفكر بها وتحكم ما تعمل. وإن هذه المعرفة تبتدأ بصفة الخير عامة تستوعب خيرات خاصة عديدة يمكن العقل أن يوازنها والإرادة أن تختار من بينها. وهذا يباين حال الأشياء الغيرحية والنبات التي تعمل بدون معرفة، ويباين حال الحيوانات التي تعمل بغريزة معيّنة لفعله. فإنما الخليقة العقلية يتعين بالخير بصفته العامة.

وإن الجوهر العقلية ليس بجسم، لأن الأجسام لا تشمل الأشياء إلاّ بقبض جسمي، أما العقل يشمل الأشياء بكليتها، لا بلمس جزء بعد جزء. وأيضاً إن الأشياء الطبيعية تفسد بقبول صورة من آخر، أما العقل فإنه يستكمل بقبول صور كل الأشياء التي يعرف. وأيضاً الصور المقبولة في المادة يلزمها أن تكون فردية، أما الصور المقبولة في العقل فإنها كلية. وأيضاً إن العقل يمكنه أن يعرف بعض الأشياء الغير مادية، وعلمه لامتناه بالقوة، ولم يصح هذا لو كان جسماً. وأيضاً إن العقل يمكنه أن يدخل نفسه ويتأملها، أما الجسم فلا يمكنه أن يفعل هكذا. فإذاً يستعمل النص كلمة “الروح” ليدل على الجزء الخالد في إنسان، مثلاً في حال الجارية التي بُعثت من الأموات: “فرُدت الروح إليها وقامت من وقتها” (لوقا 8: 55). الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ (سورة السجدة 32: 7-9).

وإن الجواهر العقلية غير مادية، لأن كل الأشياء المادية إنها أجسام ذات كمية. وأيضاً لا يمكن العقل أن يستمد شخصيته من المادة لأنه يعرف كل الأشياء بالاتصال بصورها المجردة من المادة الفردية. وأيضاً إن فعل المركب من المادة الفردية والصورة يلزمه أن ينتهي إلى شيء مركب مثله، أما موضوع المعرفة العقلية هو مجرد من المادة. فإذاً لا يصبح العقل طبيعة ما يعرف، بل صور المعروفات توجد في العقل وجوداً عقلياً. وهذا يتيح الأضداد، مثل الحرارة والبرد، أن تكون معاً في العقل، وهذا مستحيل في الطبيعة. فإن العقل يقبل صور الأشياء التي يعرف بلا ضرر في نفسه، بل إنه يستكمل ويستريح في هذا العلم. فإننا نسمع: “الحكمة ساطعة لا يذبل، تسهل مشاهدتها على الذين يحبونها، ويهتدي إليها الذين يلتمسونها” (الحكمة 6: 12). هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (سورة الأحزاب 33: 43).

وإن الجواهر العقلية ليست بصور مادية، بأن يتعلق وجودها على المادة، لأن الصور المتعلقة على المادة لها وجود مادي بحيث إنما المركب من المادة والصورة هو موضوع الوجود، وليس لمثل هذه الصور أي فعل مستقل عن المادة، أما العقل فيقبل الصور المجردة من المادة الفردية.

إن في الجواهر العقلية تفترق حقيقة بين الذات وبين الوجود، وبهذه التفرقة تنقص عن البساطة الإلهية، فإن الله هو الوجود القيم والفعل المحض، لا نهاية لكماله، ولا يمكن أن يوجد مثل هذا الموجود إلاّ واحد. فإن كل ما سواه موجود خاص، جوده ليس بنفسه، بل إنما يأتي وجوده من علة خارجية، أي بمشاركة في الوجود المحض، كما نسمع: “فقال الله لموسى: أنا هو من هو. وقال: كذا تقول لبني إسرائيل: أنا هو أرسلني إليكم” (الخروج 3: 14). اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (سورة البقرة 2: 255).

وإن في الجواهر العقلية فعل وقوة، لأن نسبة الذات إلى الوجود هي نسبة القوة إلى الفعل، وهما متناينان. وإن الوجود هو فعل لأنه يصدر عن الفاعل الإلهي وهو شبه مشترك في وجوده.

وإن تركيب الذات والوجود يختلف عن تركيب المادة والصورة، ولو كان اثناهنا تركيبي القوة والفعل. وهذا لأن المادة إنما هي جزء الجوهر الموجود ولا توجد بنفسها. وهذا يصح على الصورة، برغم أن الصورة تقال مبدأ الوجود بحيث هي تكمل الجوهر الذي فعله الوجود. وكذلك إن الصورة مبدأ يوجد الشيء به، أما الجوهر فإنه ما يوجد.

وفي الجواهر العقلية التي لا تتركب من المادة والصورة، إن الصورة هي الجوهر القائم والشيء الموجود. أما في الأشياء المادية توجد تركيبتان: تركيب المادة والصورة وتركيب الذات والوجود. فإذاً بعض الأشياء عامة لكل الجواهر المخلوقة، كالقبولية والكمال، أما بعض الأخرى خاصة للجواهر المادية، كالكون.

وإن الجواهر العقلية غير فاسدة، لأن الفساد هو الفرق بين الصورة والمادة، وهذه الجواهر ليست لها المادة. وأيضاً إن الصورة مبدأ وجود الشيء، فإن الجوهر يمكنه أن يفقد وجوده بفقدان صورته، أما إذا كان الجوهر صورة قائمة بنفسها فلا يمكنه أن يفقد وجوده، فبالفساد لا يرجع الشيء إلى العدم بل إلى القوة، ولو رجع إلى القوة لكان جوهراً بلا وجود، وهذا مستحيل. وأيضاً كما المادة الأولى هي غير فاسدة، كذلك الجواهر الغير مادية، لأن اثنيهما موضوعان أوليان في تركيب الموجود. وأيضاً إن الجواهر العقلية لا تخضع للحركة وللأضداد التي تُفسد أشياء العالم المادي، لأن الأضداد يمكنها أن توجد معاً في العقل. وأيضاً إن الفساد حد التغير الحسي والبلى، وهذان لا يحصل إلاّ للأجسام. وأيضاً إن العقل لا يقيَّس للحواس التي تفسد إذا فسدت آلاتها أو إذا كان المحسوس بالغ القوة، كما ينتج العمى عن مشاهدة الشمس، فليس للعقل آلة، وبمقدار ما يعرف الأكبر يمكنه أن يعرف الأقل بأكثر سهولة. وأيضاً إن المعقول هو كمال العقل ومطابق له، فإذا كان المعقول غير فاسد بنفسه، فإذاً وجب أن العقل يكون غير فاسد مثله. وأيضاً إن لكل شيء ميل طبيعي يضاد الفساد اشتهاءاً البقاء، وإن الحيوانات تحس الوجود الحاضر وتقاوم الفساد، وحتى تحاقظ بقاء نوعها بلا معرفة، أما الذين يفهمون معنى الخلود يشتهونه بطبيعتهم، وهذه الرغبة لا يمكنه أن تكون باطلةً. وأخيراً إن الأشياء ينعدم بنفس القوى التي أنشأتها. أما الجواهر العقلية وُجدت عن الخلق المباشر، فإذاً قوة انفعالي للعدم ليست فيها بل إنما لله القوة الفاعلة ليُعدم الشيء، بل إنه لا يُفسد ما هو خاص للطبيعة، كما نسمع: “سبحوه يا جميع ملائكته فإنه هو أمر فخُلقت، وأقامها إلى الدهر وإلى الأبد، سنّ سُنة لن تزول” (مزمور 148: 2و5-6). وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (سورة الزمر 39: 73-75).

2.9              كيفية اتحاد الجوهر العقلي بالبدن

كيف يمكن هذا: إن الجوهر العقلي لا يمكنه أن يتحد مع جسم بالامتزاج به، لأن الامتزاج يحتاج إلى تغيير كل من الجزءين، وهذا ليس بممكن إلاّ للأجسام. وأيضاً إن الجزء في الامتزاج لا يحفظ وجودها الفعلي بل إنما يحفظ استعداد الوجود، أما الجواهر العقلية هي غير فاسدة.

ولا يمكنه أن يتحد بالبدن بالاتصال، لأن الوصل بين الأجسام يحتاج إلى التلامس. وبنفس الحجة لا يمكنه أن يتحد به بطريق الاتصال أو التركيب أو الذيل، لأن هذه كلها تفترض الوصل البدني.

وإن الجوهر العقلي يمكنه أن يتحد بالبدن بطريق الفعل، لأن هذا الفاعل يفعل بدون الانفعال ويلمس وهو لامس ولا ملموس. فإنه بوصل القدرة هذا يمكن الجوهر العقلي الغير متجزء أن يلمس سطح الجسم المتجزأ كله، الشيء الذي يستحيل على نقطة الجسم الذي يلمس شيسئاً، ويمكن الجوهر العقلي أيضاً أن ينفذ جسماً كله ولا سطحه الخارجي فقط. أما وصل الجوهر العقلي هذا للجسم فليس باتحاد جوهري بل اتحاد المحرِّك لشيء متحرَّك مفترق.

وليتحد جوهر عقلي بالبدن اتحاداً جوهرياً يلزمه أن يكون صورته الجوهرية، وكل نوع من الاتحاد سوى هذا لا بد أن يكون اتحاداً عرضياً. ولكن توجد معارضات كثيرة ضد الإمكانية هذا الاتحاد، كما يلي:

  1. إن الجسم والجوهر العقلي هما جوهران كاملان، فلا يمكنهما أن تصبحا واحداً    — نجيب أنهما في الاتحاد ليسا بحوهرين موجودين بالفعل بل جوهر واحد، فإن النفس تعطي البدن الوجود.
  2. إن المادة والصورة ينبغي أن تكونا من نفس الجنس، أما الجوهر العقلي والبدن يختلفان بالجنس.   — نجيب أن المادة والصورة ليستا بنوعي الجنس بل مبدآن لنوع واحد، وهذا يصح في اتحاد الجسد والنفس.
  3. إن الجوهر العقلي، لو كان صورة جسم مادي، لم يكن بعد غير مادياً، لأن وجوده يلزم أن يطابق الصورة كما هي في المادة.   — نجيب أن النفس الإنسانية ليست بمنغرقة في المادة أو منهمكة فيها، بل إن لها وجودها الخاص الغير مادي الذي تُشرك الدن فيه.
  4. كل ما وجوده في البدن لا يمكنه أن يفارق البدن كما يزعم الفلاسفة في حق البدن. — نجيب أن النفس العقلية هي أيضاً مبدأ الأفعال النباتية والإحساسية في البدن، وهذه القوى إنها صور أعضاء جسمية، أما القوة العقلية تعمل بدون عضو جسمي ولهذا يسمى العقل “مفارقاً”، وهذا يصح أيضاً في النفس عينها، ولو كانت هي أيضاً تجعل البدن موجوداً وحياً.
  5. إن الشيء الذي وجوده مشترك مع بدن يلزم أن يفعل باقتران البدن وألاّ يتجاوزه في الفعل، فإذاً الفعل العقلي مستحيل.   — نجيب أن كون النفس فعل البدن لا يحددها عن أفعال أخرى تجاوز البدن، كما تجاوزه في الوجود.

إن رأي أفلاطون في اتحاد البدن والنفس العقلية ليس بصحيح. فبسبب المعارضات السابقة الذكر إن أفلاطون وتابعيه زعموا أن النفس العقلية تتحد بالبدن ليس كصورة بالمادة، بل كمحرَّك بالمتحرك، أو مثل “نوتي في السفينة”، فإن هذه العلاقة إنما هي وصل القدرة، وينتج أن الإنسان ليس بعد ببدن ونفس، بل إنما هو نفس تستعمل بدناً.

ولكن إن هذا مستحيل، لأن وصل النفس بمجرد القدرة لا يكفي أن تجعل البدن حياً على المستوى النباتي والإحساسي.

وأيضاً ما عدا الفعل العقلي، إنه توجد بعض الأفعال، كالغضب والإحساس، التي تجمع البدن والنفس، وهذا مستحيلاً إن لم يتحد الاثنان في جوهر واحد. أما أفلاطون فحاول أن يجيب أن هذين الفعلين ينتسبان إلى النفس كالمحرِّكة وإلى البدن كالمتحرك، ولكن مشكلة إجابته أن الإحساس إنما هو حركة الحاس عن المحسوس، ولا عن النفس، فإن الحواس قوى انفعالية في أعضاء بدنية، تحتاج إلى الوحدة الجوهرية بين البدن والنفس.

وأيضاً لو كانت النفس الفاعل في الإحساس، كما زعم أفلاطون، لكانت الحيوانات الغير ناطقة لها أيضاً فعل منفصل عن البدن، فإذاً هي أيضاً لبقيت حية بعد انحلال البدن. وأيضاً، بحسب هذا الرأي، لم تفترق الجثة جوهرياً عن البدن الحي. وأيضاً لم يكن الموت فساد أي جوهر، بل إنما افتراق جوهرين وهي مفترقان سابقاً. وأيضاً لو كانت النفس المفترقة حرة أن تحرك البدن أم لا متى شاءت، لكانت لها إمكانية الانفصال عن البدن والرجوع إليه متى شاءت.

ولكن النفس صورة البدن، لأنه بالنفس يوجد البدن ويحيى فعلاً. وأيضاً إن الوجود والفعل صاحبهما هو المركب. فإنا نقول أن الإنسان صحيح -بسبب البدن، وعالِم -بسبب النفس، وحي وحاس -بسبب الاثنين معاً. فإن النفس الحاسة تنتسب إلى كل الجسد بالقياس أن قواها الإحساسية تنتسب إلى أعضاء مختلفة وهي فعلها، فإذاً إن النفس، وهي أيضاً حاسة، هي فعل البدن.

وإن القوى النباتية والإحساسية والعقلية ليست بثلاث أنفس في الإنسان، كما زعم أفلاطون محاولاً أن يفلت من المشاكل المذكورة. فإنه مستحيل أن تكون ثلاث أنفس، وإلاّ لكان عرضياً أن الإنسان هو حيوان أو حي. وأيضاً لكان ثلاثة جواهر ولا واحد. فإن ما هو موضوع نباتي لكان زيدت له نفس حاسة ونفس عقلية زيادة عرضية. وأيضاً لو كان الإنسان نفساً تستعمل البدن لكان يلزم أن أفلاطون يعين أي الأنفس الثلاث، ولو كانت النفس العقلية لكانت نفساً تستعمل حيوان، لأن البدن حي بنفس حاسة. وأيضاً لو كان للإنسان بدن وعدة الأنفس للزم أن يوحدها شيء واحد، ولم يمكن أن يفعل هذا إلاّ نفس وحيدة وهي الصورة الجوهرية. وأيضاً ينبغي أن يكون لكل نفس منفصلة موضوع خاص في البدن، كما يقول أفلاطون، فيضع النفس العقلية في الدماغ، والنفس الحاسة في القلب والنفس النباتية في الكبد، ولكن إن العقل ليس له آلة عضوية، وإن القوة النباتي توجد في جميع البدن، كما يتبين إذا انقسمت النبات. وأخيراً إن أي عمل شديد، مثل التفكر أو الإحساس أو الهضم، يضعف سائر أفعال الشخص، وهذا يظهر وحدة الشخص التي تصدر عن مبدأ واحد، وهو النفس.

وإن العقل التقبلي في الإنسان ليس بجوهر مفارق، فإن هذا العقل الذي نعرف به ونحفظ معرفتنا، إن ابن رشد زعم أنه مفارق وعام لكل الناس، يستعمل الحجج التالية:

  1. إن أرسطو قال إن هذا العقل “مفارق”، “غير ممتزج بالجسم”، “بسيط”، “غير انفعالي”، وهذا لا يمكن أن يقال على صورة البدن. — نجيب أن برهان أرسطو يستدل عن طبيعة الفعل إلى طبيتعة مبدأ الفعل، وهو القوة العقلية الفاعلة بدون آلة بدنية. وهذا لا يمنع النفس العقلية أن تكون أيضاً صورة البدن.
  2. يجب أن يكون فارغاً من كل صورة لكي يقبل صور الكل، ولو كان صورة البدن لاشترك في الجسمية ولم يكن فارغاً. — نجيب أن اتحاد النفس بالبدن لا يجعل القوة العقلية صورة آلة بدنية، فإذاً تبقى بالقوة أن تقبل جميع الصور.
  3. لو كان صورة البدن للزم أن يقبل الصور بصفة مادية، ولم يعرف الكليات. 4. وكذلك لو قبل الصور كما تقبلها المادة الأولى لم يعرف شيئاً — مجيباً لهتين المعارضتي نقول إن القوة العقلية ليست بصورة أي عضو البدن.
  4. إن العقل التقبلي هو بالقوة لامتناه في معرفته، أما قوة لامتناهية فلا يمكنها أن توجد في بدن. — نجيب أن قوة العقل اللامتناهية مأسسة في طبيعة النفس العقلية، فإنها لامادية.

وممتسكاً بهذه الاعتراضات إن ابن رشد قال (في حرح كتاب النفس) إن “العقل المادي” مفارق عن الأشخاص وهو عام لكل البشر. ثم حاول أن يبين كيف يفهم الناس فقال إن الخيال ينضمّ إلى هذا العقل عند وصله بأي صورة عقلية. — نجيب أن هذا القول سخيف لأنه لا يمكن أن يقال إن أحداً يفهم إلاّ إذا كان له عقل، والوصل الذي يفترض إنما يجعل الشخص معقولاً للعقل الفعّال المفارق الذي يفترض وجوده أيضاً.

وأيضاً إن اتصال العقل التقبلي المفارق بالمخيلات إنما يمكن أن يجعل المخيَّلة معقولة ولا عاقلة، لأن الصورة العقلية التي يقبلها العقل نسبتها للمخيَّلة نسبة صورة المرئية في العين للمرئي في الطبيعة الخارجية، وهي، مثل الحجر، لا تَرى بل تُرى. كذلك إن العاقل له نسبة للمعقول والمعقول لا يتنسب إليه.

وأيضاً إن مبدأ كل فعل يلزم أن يكون صورة الشيء، وإن العقل التقبلي مبدأ تعقلنا. وأيضاً ليكون العقل بالفعل يلزم أن يكون لديه معقول بالفعل، كما ليكون الحاس بالفعل يلزم أن يكون لديه محسوس بالفعل. أما المخيَّلة فليست بمعقولة إلاّ إذا تجردت منها صورة معقولة، فإذاً لا يمكنها أن تكون وصل بيننا و بين عقل تقبلي مفارق. وحتى في الحالة أن العقل الفعال يجعل المخيَّلة معقولة فعلاً، لا يعُقل هذا المعقول إلاّ إذا كان مطبوعاً في العقل التقبلي.   وأيضاً إن الفعل الأعلى علامة نوع الحياة أسمى ونوع النفس أسمى، فإذاً التعقل علم النفس العقلية.

وعليه إن الاتصال المفروض بين الخيال والعقل التقبلي المفارق هو متأخر عن وجود الشخص، فإذاً لم تفترق في الحقيقة عن الحيوان الغير ناطق. وكذلك لكان الجنين الذي ليس له بعد مخيَّلات ليس بإنسان، لأنه ليس بمتعقل.

وإن الإنسان هو إنسان بعقله التقبلي ولا بحاسه المتفكر، كما زعم ابن رشد، فإنه سمى هذا العقل العقل الانفعالي أو المادي، ولا التقبلي. وإن العقل المادي ليس إلاّ الحاس المتفكر المقابل للغريزة في الحيوانات الغير ناطقة، وعمله هو تمييز المدرَكات الحسية الفردية والمقارنة بينها، كما يفعل العقل بالصور الكلية، وهكذا تستعد المعطيات الحسية أن تكون معقولة بفعل العقل الفعال. أما حقيقة الإنسان فلا يمكنها أن يخصها القوة المتفكرة ولا قوة حسية أخرى، لأن فعله الخاص هو الفهم والتعقل، وهذا الفعل يناسب قوة لاجسمية البتة. فكذلك إن العقل هو القوة التي يحرِّك الإنسان نفسه بها، وإنه مسأول عن أفعاله بسببها. وكذلك أيضاً إن الإرادة التي تقصد الخير الكلي وهي في جزء الإنسان العقلي، هي شخصية له، وإنه بها مسأول عن أفعاله.

وأيضاً إن الطفل هو عاقل بالقوة قبل أن يبلغ، ولذلك ليس باتصال بعقل تقبلي مفارق، بل إن العقل التقبلي من خواصه من البداية. أما ابن رشد فأجاب لهذا الاستدلال قائلاً إن الطفل يتعقل بالقوة، وهذا أولاً لأن مخيَّلاته معقولة بالقوة، وثانياً لأنه له إمكانية اتصال بالعقل التقلي المفارق. — ونجيبه قائلاً بالنسبة للمخيَّلات إن التعقل هو قبول الصورة المعقولة، أما تصيير المخيَّلات معقولات فهي عمل العقل الفعال ولا عمل العقل التقبلي.   وأيضاً إن قوة التعقل تتبع كون فلان إنساناً، أما المخيَّلات لا تفترض أن صاحبها إنسان.

وبالنسبة للاتصال بعقل تقبلي مفارق، لم يمكن أحداً أن يقال إنه يعقل بالقوة إذا لم يكن له قوة التعقل. وأيضاً إن قوة الطفل أن يعقل لا يشابه قوة الحجر الذي ليس له مبدأ التعقل، بل إنه مثل السيارة المستعدة للسفر في الحال إذا امتلأ بالزيت وأُشعِلت.

وعليه إذا كان التعقل فعل العقل التقبلي، فإن ملكة العلم هي أيضاً  في العقل التقبلي. أما العلم فهو شيء فينا يصفنا كعالمين، وهذا لا يمكنه أن يكون في الحاس المتفكر، لأن العلم تعمل بالكليات وإنه نتيجة العقل الفعال.

وأيضاً إن العقل التقبلي يتعلق على المعرفة الحسية ليعلم أي شيء. فإذاً إنه من خواص الإنسان وليس بشيء فوقه. وعلامة هذا هو أن العقل لا يعرف الجواهر المفارقة مباشرة، بل يعرف الجواهر الحسية مباشرة والجواهر المفارقة بالوسائط ودائماً باستعمال المخيَّلات، وإلاّ لكان معرفته مثل معرفة الملائكة ولكانت الحواس غير فائدة، لأن العقل لم يستطع أن يعرف الأشياء الحسية والروحية بلا ترتيب: إما الروحية بالحسية وإما الحسية بالروحية.

وبرغم أن ابن رشد ادعى سلطة أرسطو، إن رأي ابن رشد لا يطابق تعليم أرسطو، لأن أرسطو حدد النفس ك“فعل أول لجسم آلي له الحياة بالقوة”، وإن هذا التعريف يطابق كل النفس. وبعد ذلك يقول “لا محال أن بعض الأجزاء تفارق الجسم لأنها ليست فعل أي عضو الجسد”. أما المقولة “في حال العقل والقوة المتفكرة ليس شيء واضحاً، فيبدو أنها نوع النفس آخر” ، فإنها لا تناقض تعريف النفس العام بل إنما تظهر أنها مختلفة: “فإنها هي وحدها تقبل التفارق، كالخالد عن الميت.” ثم يستمر بوضع العقل بين قوى النفس قائلاً “من قوى النفس قد ذكرنا قوى التغدي والشهوة والإحساس والحركة في الحيز والتفكر.” وفي مكان آخر يسمى العقل التقبلي جزء النفس: “بالنسبة لجزء النفس الذي تعرف بها ويتفكر” ويواصل بالقول: “بالعقل أعني جزء النفس ذلك الذي تتفكر النفس به وتقضي القضايا.”

وإن النفس ليس باستعداد بدني، كما زعم اسكندر الأفروديسي، فإنه افترض أن الجوهر العقلي لا يمكنه أن يكون صورة الجسد، ولذلك إن العقل الفعال هو جوهر مفارق عن البشرية والعقل التفبلي إنما هو استعداد جسدي.   — ونجيب أن هذا الرأي يناقض مبدأ أرسطو أن العقل التقبلي لم يمتزج بالجسد، لأنه يقبل كل الصور الحسية ويعرفها بنوع عام، وهذا لا يطابق استعداد جسدياً بل قوة غير جسمية مستعدة لقبول المعرفة.

وأيضاً حتى الإحساس يجاوز الاستعداد الجسدي وهو قبول الصور الحسي بنحو لا مادي، وأيضاً إن الحياة النباتية تجاوز الاستعداد الجسدي.

والحجة الأساسية أن العقل التقبلي لا يمكنه أن يكون استعداداً جسدياً هي لأنه مبدأ التعقل والمعقول الذي يعقله لا يمكنه أن يحل في قوة مادية.

وأيضاً إن أرسطو يسمى القعل التقبلي جزء النفس، والنفس ليست بلاستعداد جسدي بل إنه فعل، ويمكنه أن يحصل على الفعل الثاني وهو المعرفة.

وأخيراً إن الإنسان هو إنسان لأنه متعقل بقوة العقل حقيقية ولا باستعداد مادي.

وليست النفس بامتزاج طبيعي، كما زعم جلينوس، وهذا بنفس الحجج التي ذكرنا ضد اسكندر الأفروديسي. وأيضاً إنما الامتزاج هو حال كيميائية، ولا يمكنها أن تسبب الحياة، ناهيك من الإحساس أو التعقل. وأيضاً إن الامتزاج هو حال عرضية ولا صورة جوهرية مثل النفس. وأيضاً إن الامتزاج لا يمكنه أن يسبب حركة الجسد المكانية. وأيضاً إن النفس تسيطر على النزوعات الحسية، وهي قوية في بعض الناس لأجل امتزاجهم الجسدي، والامتزاج الجسدي إنما هو استعداد النزوع، أما النفس فهي العلة الصورية، مثل رغبة الامتكان في الغضب.

وليس النفس تألف عناصر متضادة، كما زعم أمبدوكليس وغيره، فإن التألف الجسدي، مثل الامتزاج الجسدي، هو عرضي ومتغير ولا يمكنه أن يحرِّك الجسد أو يحكمه. وأيضاً إن التألف يطابق الجسد بالسهولة، أما الإحساس أو التعقل بالصعوبة. وأيضاً إن التألفات المختلفة في أجزاء الجسد المتباينة لاحتاجت إلى أنفس متباينة أو لكان واجباً أن تُنسب لأجزاء النفس مختلفة، وهذا الاستنساب ليس بسهل.

وليست النفس بجسد، لأنها صورة، وليست بمادة الشيء الحي. وأيضاً لا يمكن جسدين أن يغلغل في بعضهما، كما لوقع لو كانت النفس جسداً. وأيضاً لو كانت النفس جسداً لاحتاجت إلى نفس أو مبدأ آخر يوحدها بالجسد. وأيضاً إن النفس تحرِّك ولا تتحرك، ولكن الجسد لا يحرِّك إلاّ متى يحرَّك. وأيضاً إن التعقل ليس بفعل الجسد، فإذاً لا يمكن النفس التعقلي أن تكون جسداً.

وقد عورض أن الأطفال تشابه أبويها حتى في الخصائص النفسية. — ونجيب أن هذا يحصل عن الاستعداد الجسدي، فإنه يؤثر النزوعات.

وعورض أيضاً أن النفس تحتبط مع الجسد. — ونجيب أن هذا التأثير عرضي، كما يتحرك صورة الجسد بحركة الجسد.

وعورض أخيراً أن فراق النفس عن البدن يفترض أنها قد اتصلا كجسدين.    — ونجيب أن هذا اتصال هو اتصال الصورة بالمادة، ولو كان اتصال الروح بجسد لا محال، كما بيّننا سابقاً.

وإن بعض الناس يظنون أن ما ليس بجسم لا يوجد، وهذا رأي الحمقاء، كما نسمع: “النسمة في مناخيرنا دخان، والنطق شرارة من خفقان قلوبنا، فإذا انطفأت عاد الجسم رماداً، وتبدد والروح كالهواء المائع” (الحكمة 2: 2-3). أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (سورة الصافات 37: 16).

وليس العقل بحاس، لأنه توجد حيوانات كثيرة لها حواس ولا عقل، ولا يمكنها أن تفعل الأشياء المتباينة بل إن طبيعتها عينتها لأفعال متماثلة. وأيضاً إن المعرفة الحسية تنحصر في الأفراد، أما العقل فيعرف الكليات. وأيضاً إن المعرفة الحسية لا تمتد إلاّ إلى الجسميات، أما العقل فيعرف أيضاً أشياءاً غير مادية مثل الحكمة والحقيقة وأنساب الأشياء. وأيضاً لا يمكن أي حاس أن يعرف نفسه أو عمله، أما العقل فيمكنه هذا. وأخيراً إن الحواس يضرها المحسوسات بالغة القوة، أما العقل فبمعرفة الكبريات يعقل الصغريات بأكثر السهولة.

وليس العقل بالخيال، لأنه حتى سائر الحيوانات إن لها خيال وبه تطلب الأكل وتحاذر المخاطر ولو لم تكن حاضرة. وأيضاً إن الخيال ينحصر في الإدراك المادي والفردي. وأيضاً لم يمكن الخيال أن يزوّد العقل التقبلي بمعطياته لو لم يكن منفصلاً عنه. وأيضاً إن الخيال له آلته في الدماغ، ليس كالعقل التقبلي. فإذاً نسمع: “أين الله الذي صنعني والذي رفعنا على بهائم الأرض علماً وعلى طيور السماء حكمة” (أيوب 35: 10). وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (سورة الإسراء 17: 70).

إن الجوهر العقلي يمكنه أن يكون صورة البدن، لأنه قد زيل سائر الإمكانيات، أعني أن النفس الإنسانية كانت مفارقة واتصلت بالجسد كمحرِّكة، كما زعم أفلاطون، أو أنها تتصل بالخيال، كما زعم ابن رشد، أو أنها استعداد جسدي أو امتزاج أو تألف. ولتكون النفس صورة البدن الجوهرية، يلزم أن تكون المبدأ الصوري لوجود البدن، وهكذا إن للنفس والجسد وجود واحد. ولا محال أن الصورة القائمة بنفسها تُشرك المادة في وجوده، فإن المركب يوجد بالصورة.

وقد يُعارض أن فرق الجنس بين الجسد وبين الجوهر العقلي يحتاج إلى نوعي الوجود مختلفين. — ونجيب أنه في هذه الحال ينسب الوجود للنفس، وهي صاحبته الأول، ويقبله المادة الجسدي الذي يشترك في وجود النفس الأعلى. وهكذا نلاحظ سلسلة الموجودات، حيث الحيوانات السفلى، مثل المرجان، تفترق بقليل عن النبات، والحيوانات السموى تشترك في وجود الجواهر العقلية السفلى. وبمقدار ما يشرف الموجود المادي، فبهذا المقدار تجاوز صورته المادة، وتصبح كبرى الوحدة التي الصورة تعطي المادة، وتصبح علوى الأعمال التي يمكن الموجود أن يفعل. وهذه السلسلة تصل إلى الإنسان الذي يتعقل بدون آلة جسمية، ولو يأخذ المعطيات من الخيال والحواس، ولذلك إنه طبيعي أن تتحد النفس الإنسانية بالجسم ليحصل نوع الإنسان الكامل.

وإن رأي أرسطو هو أن النفس العقلية هي صورة البدن، ونقول هذا ضد تفسير ابن بشد. ويتبين من رأي أرسطو هو أن الأجرام السماوية هي ذات أنفس (السمع الطبيعي، 8: 5، السماء والعالم 2. انظر أيضاً ما بعد الطبيعة 11: 7، كتاب النفس 2: 3) وأنه يظهر أن لها عقل بلا حواس (كتاب النفس 2: 3)، ولو كان كذلك لاتصل عقلها بأجسامها بدون وساطة المخيَّلات. وكذلك يجب أن يتصل جسم الإنسان بجوهر عقلي كصورته الجوهرية ولا كصورة مفارقة متصلة بالمخيَّلات.

أما في مسألة وجود أنفس الأجرام السماوية، فيتبع توما الأكويني القديس أوغسطين الذي يقول إن هذه مسألة العلم ليقضيها، وليست سأن الإيمان. وإن توما نفسه اختار الرأي أن الأجرام السماوية ليست بذات الفس.

وإن النفس تتحد بالبدن مباشرة، بلا وسائط: لا المخيَّلات ولا قواها ولا “روح جسمي” كما زعم البعض، وهذا لأن الصورة تتحد بالمادة كالفعل بالقوة، بلا واسطة. والواسطة الجائزة الوحيدة هي في تحريك النفس للبدن، فإنها تحركه بوسائط قواها، ويحرك عضو عضواً آخر.

وإن النفس هي كلها في كل البدن وفي كل أجزاءه. فإن النفس هي فعل الجسم الآلي، ولا فعل آلة واحدة فقط، هي إذاً فعل البدن كله، فإن كل جزء منفَّس بنفس واحدة. وهي أيضاً فعل كل جزء البدن، بحيث إذا فارقت النفس كانت العينان واليدان هي هي باشتراك فقط. فلأن النفس، وإن كانت بسيطة في جوهرها، لها قوى وأعمال مختلفة، تحتاج إلى آلات مختلفة التي تُحييها وتستعملها.

2.10           إن العقل التقبلي والعقل الفعّال قوتان شخصيتان لكل إنسان

وإن العقل التقبلي ليس وحيداً لكل البشر ، كما زعم ابن رشد، لأن النفس هي صورة البدن، وصورة واحدة لا ينكنها إلاّ أن يكون صورة مادة واحدة. وأيضاً إن النفس تطابق بدن معيّن، ولا يمكنه أن تناسب جسماً آخر، لا كصورة ولا كمحرِّكة.

وأيضاً إن كل شيء له وحدته من صورته ولم يفترق عن غيره لو كانت كلها تشترك في نفس الصورة. أما الإنسان فيجب أن تكون صورته عقلية، لأن التعقل هو العمل الذي يختص به الإنسان. ولكن ينتج عن موقف ابن رشد هو أنه يوجد إنسان واحد فقط، وهو العقل المفارق، والناس الذين نعرفهم هم حيوانات غير عقلية وإنما مخيَّلاتهم متصلة بعقل هذا الإنسان الوحيد. ومخيَّلات الخيال، لأنها كمالات عرضية، هي كثيرة ولا تحدد إي طبيعة، وإن الخيال والقوة المتفكرة لا يمكنهما أن يعقل ولا يجعلان الإنسان أن يختلف عن الحيوانات الغير عقلية.

وأيضاً إن كل شخص له معرفته الخاصة وفعل التعقل خاص ولا ينتسب هذا لغيره، واستعدادات الحواس الخارجية والباطنية المختلفة بين الناس إنما هي استعدادات بعيدة لتعقلهم، بينما العقل يحصل عن تمريم على فهم المبادئ واستنباط النتائج.

وأيضاً لو كان عقل وحيد لكل البشر للزم أن يكون باتصال مع العقل الفعال وأن يكون يعرف كل شيء من القدم، إذا كان قديماً، فإذاً لم يستطع أن يتعلم شيئاً جديداً، وكل التجربة الحسية لكان غير فائدة، أما في الحقيقة فإن العقل يحتاج إلى المخيَّلات ليتعلم وليتفكر فعلاً  في ما يعرف.

وإن العقل التقبلي يحفظ المعقولات، ومعرفته لا ينحصر في ما يتأمله حالاً، باتصل بالعقل الفعال، كما زعم ابن سينا. فإنه لم ير كيف أمكن المعقول أن يكون في العقل بدون التأمل الفعلي، ففسر التعلم كأنه التعاود المكتسب باتصال بالعقل الفعال. وهذا الموقف يقرب كثيراً بموقف أفلاطون، إلاّ أن أفلاطون اعتقد بوجود صور معقولة مختلفة ليست متحدة في عقل فعال.

وإن ابن سينا ظن أن العقل التقبلي يُحث إلى اتصال بالعقل الفعال بتأمل إلى المخيَّلات المدخرة في الخيال.   — ونجيب أن هذا يناقض ما ننتظره، لأنه إننا أكثر مستعدون أن يقبل تأثير الجواهر المفارقة بتجردنا عن التأثير الحسي.

وإن أفلاطون كان أكثر متماسكاً بقوله أن لنا كل معرفتنا من البداية وإن الصورة المفارقة يساعدنا لنطهّر عقولنا عن عوائق ذكر هذا العلم.

وعلاوة على ذلك إنه معقول أن ننتظر أن العقل يمكنه أن يحفظ المعرفة، لأنه أقوى وأثبت من الخيال الخسي الذي يستطيع أن يحفظ المعرفة. وأيضاً لو كان التعلم إنما هو الحميمية مع العقل الفعال فلم يكن أي سبب أن يتعلم إنسان واحد هذا العلم وإنسان آخر علماً آخر.

وأيضاً إن أرسطو قال إن العقل التقبلي هو “محل الصور” (كتاب النفس، 3: 4)، ويزيد بالقول أن العالِم “يستطيع أن يعمل فعله بنفسه” (4: 8)، وأن “نسبة المخيَّلات للعقل هي نسبة المحسوسات للحواس” (3)، وبذلك يشير أن المعرفة تحصل عن المحسوسات ولا عن جوهر مفارق. ويبين أرسطو أن العلم الملكي هي فعل ما، واسط بين الجهل الذي هو قوة محض وبين التأمل الفعلي الذي هو الفعل الكامل. وإن الذاكرة الحاسية هي قوة أخرى، تحفظ المحسوسات الماضية الفردية، بينما العقل إن له فعلان: وهما حفظ المعقولات المجردة عن الوقت والتأمل الفعلي فيها.

حجج ابن رشد أن لكل البشرية نفس واحدة، وأجوبة:

  1. إن تعدد صورة أي نوع يلزم أن يكون بالمادة المفردة، وهذه المادة لا يمكنها أن تكون جزء النفس العقلية بل يلزم أن تكون البدن. ولأن النفس تتوقف على المادة لتكون فردية، يلزم أن تكون صورة مادية لا يمكنها أن تعمل بدون آلة جسمية. فإذاً يلزم ان يكون العقل التقبلي مفارقاً واحداً مشتركاً لكل البشرية. — نجيب أن العقل التقبلي يتعدد في نوع واحد، بصفة أنها لا تتعلق على الجسد لوجودها برغم أنها تحصل على فرديتها بنسبة إلى جسد يفترق بالعدد عن غيره.
  2. لو كان لكل فرد عقله الخاص، لتعددت الصور المعقولات بالنسبة لعدد العارفين، ولكانت هذه الصور فردية ولا عامة. — نجيب أنه كما الصورة المرئية في العين ليست هي ما يُرى بل هي وسيلة رؤية لون الشيء، كذلك الصور العقلية أو الأفكار ليست هي ما يُعقل بل إنها وسيلة عقل ذوات الأشياء خارج العقل. فإن هذه ذوات، في وجودها المادية، هي فردية وإنما هي معقولة بالقوة. أما في العقل فإنها معقولة فعلياً وعامة بالنسبة للأشياء المعقولة، بل بالنسبة إلى محلها، وهو العقل التقبلي، إنها فردية، تتعدد بعدد العقول المصوَّرة بها. ولو كان موجوداً عقل تقبلي مفارق فرد، لتعقل بنفس الطريق، أي بصور عقلية فردية. وبرغم أن هذه الصور هي وسائل تعلق الأشياء، يمكنها أن تُعقل بأنفسها بوعي العقل إليها وبالتأمل العام كما يفعله علم المنطق.
  3. لو كان لكل فرد عقله الخاص، لعدّد المعلم العلم بالنسبة لعدد طلابه، لا يعدد فاعل طبيعي الصور المادية بطريقة أخرى. — نجيب أن العلم الذي يوسع المعلم هو نفس العلم في كل الطلاب بالنسبة لما يُعمل، ولكن يتعدد بالنسبة لتعدد الصور العقلية وملكات العلم بحسب عدد الطلاب. وإن المعلم لا يعمل كفاعل طبيعي، بل كصانع يقتدي بالطبيعة ويستعملها، فإن كل واحد يمكنه أن يتعلم بنفسه، ولكن المعلم يساعده أن يتعلم بأكثر السرعة والنجاح.

وإن العقل الفعال ليس بجوهر مفارق، بل إنه جزء النفس — ونقول هذا ضد قول اسكندر الأفروديسي وابن سينا وابن رشد.    — فإن العقل الفعال يتعلق بالعقل التقبلي كمبدأه الفاعل الخاص، وعمله هو أن يجعل معقولة المعطيات المحسوسة، فيلزم أن يناسب العقل التقبلي بأن يكون جزء النفس.

وأيضاً كما تأتي الصور المادية من فاعل طبيعي ولا من جوهر مفارق، كذلك يلزم أن يقبل العقل التقبلي صورها عن قوة تناسبه في النفس. وإن نظرية عقل فعال مفارق لا تختلف عن موقف أفلاطون القائل إن معرفتها تأتي من أفكار مفارقة قائمة بأنفسها.

وأيضاً لو كان العقل الفعال مفارقاً، لكان لازماً أن يعمل فينا دائماً أو على الأقل لم يمكننا أن نختار ماذا نعقل أو متى نعقله. وأيضاً للزم أن كل الناس يعرفوا نفس الأشياء على السواء بشرط أن لهم نفس المخيَّلات.

وقد يُعارض أن فعل العقل الفعال يتغاير بالنسبة لاستعداد القوة المتفكرة المختلف في الناس، وهي تعد العقل التقبلي — بحسب ابن سينا- أو تعد المخيلات لتكون معقولات —بحسب اسكندر الأفروديسي وابن رشد—    ونجيب أن العقل التقبلي هو مستعد دائماً لقبول المعقولات ولا يحتاج إلى إعداد آخر، وإن المخيلات ليس عملها أن تعد العقل بل إنما فيها المعقولات بالقوة.

وأيضاً إن رأي ابن سينا يستنتج من طبيعياته، فإنه يقول إن الفعلة الطبيعية إنما تعد كون الأشياء، وإن العقل الفعال المفارق يعطيها الصور. فإذاً إن المخيلات غير ضرورية، لأن العقل القعال المفارق يمكنه أن يطبع الصور العقلية مباشرة في العقل التقبلي. وكذلك إعداد المخيلات، وهو ما زعم اسكدر الأفروديسي وابن رشد أنه فعل العقل الفعال، هو أيضاً ليس إلاّ خطوة غير ضرورية لإتيان الصورة من فاعل خارجي.

وأيضاً إن لنا رغبة الفهم وقصده، وهذا يدل على قدرتنا للفهم، كما إن في كل فاعل طبيعي مبادئ فعله. وأيضاً لو لم يكن للإنسان هذه القدرة لم يمكن أن يُعرف بعقلي لأن التعقل لكان شيئاً فوق طبيعته. وأيضاً لو أُتى كل أفكارنا من عقل فعال مفارق، لكان التعليم مستحيلاً لأن هذا هو عمل العقل الفعال. وأخيراً لو لم يكن لكل واحد عقل فعال خاص بل كان محرَّكاً عن فاعل خارجي، لم يكن حراً أو مسأولاً عن أفعاله ولكان العلم الأخلاقي مستحيلاً.

إن العقل التقبلي والعقل الفعال اثناهما في نفس كل الإنسان، وهذا برغم الشك الناشئ عن المبدأ أنه لا شيء هو بالفعل وبالقوة بالنسبة لنفس الشيء. فإن العقل التقبلي هو بالقوة أن يقبل الصور العقلية، بينما العقل الفعال يأخذ المخيلات الممثلة المحسوسات وتجردها عن مادتها المفردة وكذلك يجعلها معقولات للعقل التقبلي. فإذاً المخيَّل ليس بالفاعل ولا يطبع مثله الطبيعي في العقل، بل إن العقل الفعال يقدم محتوى المخيَّل للعقل التقبلي بصفة علوى ومعقولة. ولذلك إن ذوات المحسوسات هي المقصد الأولي لعقلنا، بينما بالنسبة للجواهر المفارقة نماثل بومة العمياء في ضوء النهار. فإن أفلاطون وغيره الذين فسروا تعقلنا كاتصال بالصور أو بالجواهر المفارقة هم يتغمسون في الأخيلة ولا يواجهون الفعل أننا نعيش في عالم حسي وأننا نحصل على العلم بالتجربة وأن لنا كل القوى الضرورية لهذا.

وإن رأي أرسطو هو أن العقل الفعال جزء النفس، فبالنسبة للعقل التقبلي والعقل الفعال قال: “لأن في كل نوع الأشياء وفي الطبيعة جميعها يوجد شيء هو مادتها وهو بالقوة كل أفراد النوع، وشيء آخر هو علتها أو فاعل كلها، وهما مثل الصناعة لمادتها، فيلزم أن هذين شيئين يكونا في النفس أيضاً (كتاب النفس 3: 5). ويستمر بالقول إن العقل الفعال هو في النفس ك“ملكة” مميزة عن العدم، ويصفه ك“قابل المفارقة غير منفعل غير مخالَط، بذاته بالفعل”. وقد قال إن العقل التقبلي هو قابل المفارقة، غير مخالط بالجسد وغير منفعل، ولو منفعل بالصفة العامة كقابل المعقولات. فإذاً يجب أن يُفهم بالكلمة “مفارق” ليس تدل على جوهر مفارق بل على قوة ليس لها آلة، كما قال بالنسبة للعقل التقبلي. ثم بعد إشارة إلى المعرفة بالبعل كالوحدة الصورية بين العقل بالفعل والمعقول بالفعل، يقول “إنما تفارق ماهيته وإنما هذا خالد وباق.” فهذه الكلمات لا تدل إلاّ على العقل بالفعل الذي قد ذكره، وهو يحتوي العقل التقبلي والعقل الفعال، بينما “العقل الانفعالي”، الذي يقول إنه فاسد، يلزم أن يكون القوة المتفكرة وسائر الحواس.

2.11                         أصل النفس الإنسانية وبقاءها

إن النفس الإنسانية هي غير فاسدة ، لأن كل جوهر عقلي كذلك. وأيضاً إن كمال النفس يوجد في الأفعال الغير جسمية، مثل العلم -وهو أكمل بالنسبة لتجرد معلومه عن المادة- والفضيلة، وهي تمنع النفس عن اتباع النزوعات الجسدية، فمثل هذا الفعل يدل على طبيعة النفس. وعلامة هذا هي أن الإنسان، وليس كالحيوانات الغير ناطقة، يفهم معنى الخلود، فإذاً رغبته الطبيعية له لا يمكنه أن تكون باطلة. وأيضاً إن التعقل هو فعل بأفكار معقولة عامة غير مادية، ويحصل بعمل العقل الفعال الذي يجعل هذه الأفكار معقولة وخالدة. فإذاً النفس عينها يجب أن تكون خالدة. وأيضاً ليس للنفس ضد ولا تنعلق على الجسد لوجودها، وإذا تعب العقل هذا لم ينتج عن ضعفه بل عن ضعف الخيال والذاكرة والمتفكرة، فيحتاج العقل إلى هذه الحواس ليتصل بمعطياته. فإذاً نسمع ما يوسوس السخيف: “إن مصير بني البشر هو مصير البهيمة ولهما مصير واحد: كما تموت هي يموت هو ولكليهما نفس واحد، فليس الإنسان أفضل من البهيمة لأن كل شيء باطل” (الجامعة 319). وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (سورة القصص 28: 39).

بعض التعارضات وأجوتها:

  1. إذا مات الإنسان تفقد النفس الجسد وهو مبدأ فرديته. فإذاً إما تفنى النفس وإما كل الأنفس تندمج في نفس واحدة. — نجيب أن وجود النفس لا يتوقف على الجسد، برغم أن الأنفس تتعدد بحسب الأجساد التي تطابقها، وهذه المطابقة تبقى بعد احلال الجسد.
  2. إذا وجدت كثرة أنفس مفارقة لزم أن تختلف عن بعضها بالصورة، أي أن تكون كل واحدة منها نوعاً خاصة. ولا يمكن تغير نوعها بمفارقة البدن، فإذاً يجب أن تكون كل نفس في هذه الحياة نوعاً خاصاً، وهذا غير معقول. — نجيب أن الفرق بين الأنفس المفارقة لا يأتي من الصورة بل من النسب المختلفة لأجساد معينة، وهذه النسب تبقى بعد الموت، وإلاّ لكانت النفس تتعلق بالجسد تعلقاً عرضياً.
  3. إن كان العالم قديماً لزم أن يكون عدد الأنفس المفارقة لامتناهياً بالفعل، وهذا مستحسل.    — نجيب أن البعض قالوا إن النفس تموت مع الجسد، والبعض الآخر قالوا إن نفساً مفارقة واحدة تبقى مشتركة لكل البشر، وهي العقل الفعال (برأي ابن سينا) أو أيضاً العقل التقبلي (برأي ابن رشد) أو إن الأنفس تتبادل بالتناسخ (برأي أفلاطون). والبعض قالوا إنه لا محال أن يكون عدد أنفس مفارقة لامتناهياً لأنها لا نسبة بينها فإن هذا لااتناهاء بالعرض. أما أرسطو فلم يعبر رأيه عن هذا، ولكن رأي ابن سينا يطابق مبادئه، فإنه لم يحاول إلاّ أن يدحض وجود عدد جواهر مادية لامتناه. أما الذين إيمانهم يعلّمهم أن العالم له بداية فهذه المشكلة غير واقعية.
  4. إذا لم تُفقد النفس بفساد الجسد لزم أن تكون متحدة له بالعرض، فإذاً ليس الإنسان مركباً من الجسد والنفس. — نجيب أن التركيب من الصورة والمادة ليس بعرضي، وبقاء النفس لا يبرهن شيئاً، فالمادة أيضاً تبقى ولو تحت صورة جديدة.
  5. كل فعل إنساني يتعلق على الجسد، إما كآلة وإما كأصل معرفة العقل، وإن العقل لا يمكنه أن يفعل بدون المخيَّلات. فإذاً بفساد هذه بالموت يلزم أن تبقى النفس المفارقة غير دارية بلا فعل.   — نجيب أن الأفعال التي لا تتعلق على آلة تبقى، مثل العقل والإرادة، أما صفة الفعل فتختلف: في حال كونها في الجسد لا يمكن النفس أن يفهم بدون المخيلات ولا يمكنها أن يتذكر بدون الذاكرة الحسية والخيال. أما بعد مفارقة الجسد فإن وجودها يبقى لها وحدها لا تشارك الجسد فيه. فإذاً يمكنها أن نعقل بنفسها، كما تفعل الملائكة، ويمكنها أيضاً أن تقبل المعرفة عن الأرواح العلوية.

وعلامة هذا أن النساكة تساعد الإنسان أن يفهم الأشياء العليا، وأيضاً في الرؤى والفناء، عندما تسكت الحواس الخارجية، يمكن الناس أن يقبلوا من العليون معرفة تفوت نوع العقل الإنساني.

أما التذكر، ولو فسدت المتذكرة الحسية بالموت، فيحفظ العقل معرفته لا تُمحى. ولو فسدت النزوعات الحسية، فتبقى أفعال الإرادة، كالفرح والرضى والمحبة.

إن أنفس الحيوانات الغير ناطقة ليست بخالدة، لأن كل أفعالها تتعلق ضرورياً على الجسد. ويظهر عدم عقلها في أن كل الحيوانات في نوع واحد تعمل بصفة واحدة، لأن الطبيعة تحركها ولا الصناعة. كذلك كل العصافير تعمل نفس نوع العش وكل نوع العكبوت له نوع النسيج خاص. وعلامة أخرى هي أن من الحيوانات الغير ناطقة لا يشتاق أحد أن يكون خالداً، لأن كل ما يعرف هو الفردي الحاضر، وإنما يعمل أن يحافظ على نوعه بالتولد. وعلامة أخرى هي أن كل ملذاتها هي في الأكل والجماع، ليحفظ أنفسها ونوعها. فإذاً نسمع: “ونظر الرب إلى الأرض وملأها من خيراته، وغطّى وجهها بجميع أنواع الحيوانات وإليها تعود” (يشوع بن سيراخ 16: 29). وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (سورة المؤمنون 23: 21-22).

وهذا يضاد قول أفلاطون القائل إن أنفس الحيوانات الغير ناطقة هي خالدة. وإن قوله يعتمد على فعل النفس في تحريك الجسد، فإنه ليس فعل الجسد، فقال أيضاً إن النفس تحرك نفسها وتحرك الجسد في الإحساس. — نجيب بالنسبة للإحساس أن هذا ليس فعل الحاس بل انفعاله، فيقبل الحاس فعل المحسوسات المعينة، وهذا يباين فعل العقل الذي يقبل بصفة غير مادية وعامة.

وأيضاً إن الحواس المختلفة لها محسوسات خاصة وآلات خاصة. ولو لم يحتاج الإحساس إلى آلة جسدية لأمكن حاس واحد أن يقبل أي محسوس، لأن القوى الغير مادية لا تنحصر في معروفاتها. وأيضاً إن الحواس تفسدها محسوس بالغ القوة، أما العقل فلا يضره قوة المعلوم.

أما بالنسبة للنفس تحرك نفسها، فهذا مستحيل، لأنه لا يتحرك إلاّ جسد، وأيضاً إن كل ما يحرك نفسه فيلزم أن جزءه يكون بالفعل وجزء آخر بالقوة.

             وإذا عورض أن أفلاطون استعمل العبارة “تحريك نفس نفسه” ليس بمعنى الحركة الجسدية بل بمعنى أفعال النفس.   — نجيب أن الإحساس، وخاصة النزوعات الحسية، يحصل ضرورة في الجسد. وإن نفس الحيوان لا يمكنها أن تحرك الجسد إلاّ بواسطة الإحساس والنزوع. فإذاً ليس للنفس الغير ناطقة أي فعل يجاوز الجسد، فلذلك يلزم أن تموت بموت الجسد.

وإن النفس الإنساني تنشأ مع البدن، وهذا ضد قول أفلاطون واسكندر الأفروديسي وابن رشد أنها قد سبق وجودها من القدم. فإنهم استعملوا الحجج التالية:

  1. إذا كانت لشيء قوة أن توجد دائماً، لم يكن حجة للقول إنها لم توجد في وقت ما. — نجيب أن هذه القوة لم توجد قبل وجود النفس، فيلزم على المعارض أن يبرهن أولاً أن النفس قد وجدت من القدم، ولا يمكن هذا أن يُفترض كمبدأ الحجة.
  2. إن حقيقة المعقولات هي واجبة وسرمدية، فإذاً يجب أن يقال نفس الشيء عن النفس العاقلة. — نجيب أن الحقائق المعقولة لها وجود سرمدي في عقل الحق الأول. أما العقل المخلوق فلا يجب أن يكون قد وُجد من القدم. فوجود هذه الحقيقة كغاية العقل المخلوق يدل على أنه سيحيى إلى الأبد، أما قدرة الله الفاعلة ليخلق النفس لا تبرهن أنه قد خلقها من القدم.
  3. إن النفس العاقلة هي من أجزاء العالم، وإذا تتكون أكثرها كل يوم لزم أن يكون العالم ناقصاً في كيانه الأصلي.   — نجيب أن العالم هو كامل كلما يوجد الجنس البشري، فكماله يتوقف على النوع وليس على الأفراد.
  4. لو كان الله قد استراح في اليوم السابع (انظر النكوين 2: 2، سورة الأعراف مثلاً)، لم يمكنه أن يتواصل بخلق أنفس جديدة.    — نجيب أن استراح الله يجب أن يُفهم كإنهاء خلق الأنواع المختلفة في العالم، ولا كإنهاء خلق أفراد هذه الأنواع.

وقد عارض أوريجان أن كل الأنفس قد خُلقت في بداية الخلق، ثم تجسدت بحمل الأطفال. — نجيب أنه في كون الشيء تأتي الصورة أخيراً في الزمان. وأيضاً إن الإنسان كله، مع النفس والجسد، أكمل من النفس وحدها، وفي التكون الطبيعي يسبق الأكمل. وأيضاً إن كل الصورة الطبيعية يلزم أن تتحد مع مادته الخاصة، ولو سبق النفس وجوداً   لاتحدت بالجسد اتحاداً عرضياً. وأيضاً لحملت النفس العنف لو جبرت على هذا الاتحاد ضد إرادتها أو لو قيل لها بأن تنتظر الاتحاد في حالة أن تريده.

وأيضاً لو كان طبيعياً أن تقفز النفس من الجسد وترجع إليه من حين إلى حين، كما زعم تابعو أفلاطون، لكان الجسد عرضياً لها تماماً. وأيضاً لو لزم أن تتفق إرادة الوالدين وإرادة النفس لحمل الطفل، لكانت ولادة الطفل اتفاقية، لأن الوالدين لا يشاوران النفس التي تأتي إلى جسد ولدهما. وأيضاً لو خُلقت الأنفس قبل أجسادها، لكانت حالها المقارقة حسنى لها، لأن الله يفعل الأشياء خيراً، ولم يرد أن ينزلها إلى درجة سفلى ليرفع الجسد إلى درجة عليا.

وأيضاً إن النفس تحتاج إلى الحواس لتتحصل على العلم، وهذا هو هدف الاتحاد بالجسد، فإذاً يلزم أن يكون قد خُلق الجسد مع النفس. وإلاّ للزم أن كل معرفة النفس قد أُفاضت عليها في وجودها السابق، كما زعم تابعو أفلاطون، فإذاً لم يكن التعلم في هذه الحياة إلاّ التذكر، وفي هذه الحال لكان الجسد عائقاً للمعرفة ولكان اتحاد النفس له عرضياً وغير طبيعي.

وأيضاً إنه واضح للكل أن كل ما يعرف الإنسان قبل التعلم إنما هو بعض مبادئ عامة ومعنى الوجود بصفة عامة ونتائجه الأولى، كمبدأ أن الضدين لا يمكن أن يكون اثاهما صحيحين. وحتى مثل هذه المعرفة تأتي من التجربة الحسية، فإننا بتجربة الكل المعين نتعلم أن كل الكل هو أعظم من أجزاءه.

وأيضاً لو سبق وجود الأنفس للزم أن يكون عددها لامتناهياً، لأن العالم، ولو لم يكن قديماً، لا مانع أن يبقى إلى الأبد. وإلاّ للزم أن يكون عددها متناهياً وأن تُستعمل من جديد في أجساد مختلفة. وهذا مستحيل، لأنه لو تناسخت النفس لكانت نفس الشحص الذي عاش سابقاً بتلك النفس (كما يزعم بعض الناس اليوم)، لأن الوحدة والوجود يصدران عن صورة الشيء. أما فردية النفس، كفردية أي صورة، فتأتي من نسبتها لمادة (أو جسد) معينة تنفرد عن غيرها بالعدد (وهو نتيجة تفرقة الكم المتصل) وبمزاج وحيد وخوائص الخلية والعين وبصمات الأصابع إلى آخره، ويصح هذا أيضاً في التوأمين المماثلين.

وإن أورجين قال إن الأنفس قد أُنزلت إلى أجسام مختلفة لعذابها بحسب شر خطاياها    - نجيب أن الشيء الطبيعي، مثل اتحاد النفس والجسد، لا يمكنه أن يكون عذاباً، وإلاّ لم تكن الطبيعة الإنسانية حسنة. وأيضاً لو نشأ اتحاد النفس والجسد عن شر العذاب، لكان اتفاقياً وهذا ضد الحكمة الإلهية. وأيضاً نسمع كلام الله إلى رفقة: “في جوفك أمتان  والكبير يخدم الصغير” (التكوين 25: 23)، وهذا قبل أن يأتي أي منهما بعمل خير أو شر (انظر إلى أهل رومة 9: 12). لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (سورة البقرة 2: 286).

ولهذه الحجج نرفض الرأي أن أنفس الأموات ترجع في أحفادهم، كما يعتقد الأفارقة التقليديون. فإن شبه الأولاد لأجدادهم قد فُسر بالوراثة الجسمية وباقتدائهم بخلق والديهم ومميزاتهم. وبعض الأشباه، مثل كأنداب وعلامات أخرى، هي اتفاقية.

ويشير نص واحد إلى وجود الإنسان سابق: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى (سورة الأعراف 7: 172).    - نجيب أن هذا النص لا يتكلم عن وجود الأنفس بدون بدن، بل يصدي فكراً واسع الذيوع بين كافة الشعوب الساموية وهو أن زرع الأب هو الطفل الكامل الذي يغرسه الأب في بطن الأم، وبحسب هذا الفكر إن كل أحفاد آدم هم حاضرون في زرعه. وهذا النص وخبر وجود محمد في بداية الخلق قد أنشأا الفكر العام أن كل الإنسان وُلد مسلماً، أما في الحقيقة فليس يدل إلاّ على أن كل واحد، من حبله، هو خاضع لله، ولو ينقص، في الاعتقاد المسيحي، الاتجاه لله المجاوز الطبيعة.

وفي بدأ حياة الإنسان نسمع: “وجبل الرب الإله الإنسان تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفساً حية” (التكوين 2: 7). ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(6)الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ(7)ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ (سورة السجدة 32: 6-8).   وإن هذين النصين يدلان على نشأ الإنسان جسده ونفسه في نفس الوقت.

وإن النفس ليست من جوهر الله، كما تزعم عدة حركات دينية، من المانكية إلى الغرال العصري، تقول إن الإنسان شرارة الله هبطت في المادة.   — نجيب أن النفس ليست بقديمة، كما قد بيّننا. وأيضاً إن الله لا يمكنه أن يكون صورة أي شيء، أو أن يكون في القوة إلى ما يُصنع عن جوهره، أو أن يتغير، كما يفرض هذا الرأي.  وأيضاً إن النفس تتغير دائماً في علمه وخلقه، وهذا لا يصح على الله. وأيضاً إن النفس لها قوى وأفعال ممايزة عن جوهره، وهذا لا يصح على الله. وأيضاً لو كان النفس إلاهية، لكانت كل الأنفس واحدة، لأن الله واحد.

وإن مصدر الرأي أن النفس جزء الله قد يكون التفكير الدهري الذي زعم أن الله هو عنصر العالم الرئيسي أو قوته، والنفس تشترك في هذه خصية. وأيضاً قد يصدر هذا الرأي عن الفكر أن النفس هي الجوهر الأسفل في درجات الجواهر المفارقة. وأيضاً شبه النفس لله قد يضغط على البعض أن يظنوا أنها من طبيعة إلهية، كما يلمحه النصوص المذكورة (التكوين 2: 7، سورة السجدة 32: 6-8).     — نجيب أن العقل الإنساني ينقص عن عقل الله، والعبارتان “نقخ الحياة” و“من روحه” لا يمكن فهمهما كأن جزء الله ينفصل ويحل في الإنسان، بل إنما تشيران إلى شبه روح الإنسان لروح الله، ولو شبهاً ناقصاً.

2.12            إبداع النفس الإنسانية من خلق الله

ولا تصدر النفس عن مادة الوالدين الجنسية ، لأن كل ما فعله يجاوز المادة، مثل العقل الإنساني، لا يمكنه أن يصدر عن المادة، وإلاّ لاستند وجودها على البدن، كسائر الصور المادية، وانعدمت بموت البدن.

ولكن تصدر عن الله بالخلق، وهذا لأنها ليست مركبة من الصورة والمادة فلا تتكون مباشرة. ولا تتكون بالعرض بكون الجسد، كما رأينا. فإذاً لا يبقى إلاّ أن توجد بالخلق، وهذا عمل الله وحده.

وأيضاً إن النفس ليست عين وجودها، وإذاً يأتي وجودها عن الله. ولا يصبح بإصباح الجسد لأنها لا تُركب من المادة، ولو تشارك الجسد في وجودها. فإذاً  يلزم أن تُخلق عن الله من العدم.

وأيضاً، لأن النفس بسيطة، إن كونها ليس بتحصل على صورة، وهي مبدأ الوجود عن فاعل طبيعي، بل إنما هو تحصل على الوجود، وهو المعلول الخاص للفاعل العام وهو الله.

وأيضاً لأن غاية الشيء تطابق أصله، وغاية النفس الإنسانية هي أن يعقل الله ويحبه، وهذا تجاوز إمكانية العالم كله، فإن مصدر النفس يلزم أن يكون الله.

فإذاً برغم أن الأرض تقال أنها تصدر النبات، وتصدر المياه مخلوقات من أنواع مختلفة (التكوين 1:11،20)، إن الله نفسه يقال أنه خلق الإنسان. (انظر النصوص آنفاً.)

بعض المعارضات وأوجبتها في مسألة أصل النفس عن أبدان الوالدين،:

  1. إن الناس وسائر الحيوانات يشتركون في جنس النفس الحاسية، ولأنه في الإنسان هي والنفس العقلية هما نفس الجوهر، فإذاً يلزم أن تتكون بالكون الطبيعي. — نجيب أن الإنسان، لأن نفسه حاسية وعقلية معاً، يفترق نوعه عن نوع الحيوانات الغير ناطقة، ومصدره آخر لأن نفسه هي ععلية.
  2. إن فعلة مختلفة لا يمكنها أن تنتهي إلى مفعول واحد، فإذا كانت النفس والجسد وحدة ما، وفاعل الجسد هو القوة المولد، ففعل هذه القوة يلزمه أن ينشئ الإنسان الكامل.     — نجيب أن هذا الاعتراض يصح في حق الفعلة الغير المنظمة، أما في إنشاء الإنسان ففعل القوة المولدة هو آلة مُعِدّة لفعل الله الخاص والرئيسئ   وهو إنشاء النفس العقلية.
  3. إن فعل القوة المولدة هو وسيلة إنشاء أفراد جديدة في أي نوع، وإنشاء الشخص يتضمن الصورة التي تحدد الشيء في ماهيته، وهذه الصورة، في مسألة الإنسان، هي النفس الإنسانية. — نجيب أن فعل القوة المولدة ليس هو إلاّ معد للفعل الرئيسي، وهذا خاص لله وحده.
  4. لو كان الله مصدر أنفس الإنسان، لكان هو المسأول عن حمل الأطفال بالزنا   — نجيب أن الله يساعد فعل الطبيعة، وهو الحمل، ولا يساعد إرادة الوالدين الرديئة.
  5. لو كان المادة المعدة أو البدن موجودة قبل النفس، لبقيت نفس المشكلة كأن النفس كانت موجودة قبل البدن.   — نجيب أن المادة، لأنها بالقوة إلى الصورة، إنه من المتوقع أن تسبق الصورة الفعلية وجوداً، وإن بيضة الأم ومني الأب إنما هما بالقوة ولدٌ.
  6. إن الفعل يظهر أنه ناقص إذا أنشأ جزء الشيء ولا كله، وهذا هو الحال إذا خلق الله النفس والقوة المولدة الجسد.   — نجيب أن الفعل ليس بناقص إذ كان كله فعل الله يستعمل فعل القوة المولدة كآلته المعدة.
  7. في إي زرع، مثل زرع القمح أو أي نبات أخرى، الزرع هو النبات كله، ولو لا يظهر بعد. وتصح الزامية نفس الشيء في حال الإنسان. — نجيب أن الزرع أو الجنين يتضمن كل ما لا يتجواز طبيعة الشيء الجسدية. فإذاً لا يمكن أن يتضمن البيضة أو المني النفس العقلية.
  8. إن نهاية الفعل المولد يلزم أن يكون مثل بدايته ووسطه، أما الإنسان فيبتدئ بالبيضة والمني وشيئاً فشيئاً يصبح جنيناً بآلات مختلفة.     — نجيب أن هذا التطور الأملس لا يدل على أن البيضة والمني لهما نفس إنسانية، بل أنهما معدة لقبولها.
  9. إن الأجسام صُنعت للأنفس وتطابق أفعالها، ولذلك قال أرسطو “إن النفس هي فاعل الجسد” (كتاب النفس 2: 4). فإذا كانت البيضة والمني تفعلان الجسد، فإذاً إن لهما نفس. — نجيب أن البيضة والمني لهما نفس نباتية، ولكن ليست من نوع خاص لأنها عابرة، تفعل بالقوة الوالدين الرئيسية والمعدة لاتحادهما ولقبول النفس العقلية.
  10. إذا لم توجد النفس قبل الجسد ولا توجد في المني، يظهر أن الجسد يصور أولاً ثم تُفاض النفس. فإذاً يظهر أن النفس قد فُعلت للجسد ولا العكس. — نجيب أن المادة التي تُحتاج إليها لتكميل وجود الصورة إنها تقدم الصورة زمناً، ولو تتبعها بالطبيعة، أعني أن الصورة التي هي غاية الكون تعين كيف يلزم أن تكون المادة لقبول الصورة.

ونلاحظ هنا أن توما الأكويني ظن أن الجنين في أول حمله له نفس نباتية، وبعد حين يتغير إلى شيء له نفس حاسية، وأخيراً   يتغير جوهره بقبول النفس العقلية. وهذه النظرية اعتمد على مبدأ أرسطو أن النفس هي فعل جسد آلي، ولم ير في الجنين الحديث كفاية الآلات لإسناد نفس عقلية. أما هذه النظرية قد قلبها العلم العصري بمعرفة النظام المعقد في الجنين الجديد. فإن العلم العصري يدعم إنسانية الجنين الكاملة من بدأه، وإن ما يقول العلم العصري هو أبسط من نظرية سلسلة التغيرات الجوهرية التي اقترحها توما.

وإن جوهر عقلي لا يمكنه أن يكون صورة  إلاّ لجسد إنساني، لأن مثل هذه النفس تحتاج إلى جسد ذي أعظم النظام والمزاج بين أجزاءه، حتى لا تلائمها الاسطقسات البسيطة ولا العناصر العضوية المعقدة المنشأة في المختبر. واذا نظرنا صعود درجات الحياة، وجدنا أجساماً أكثر فأكثر تعقيداً، وحياتها تستند على حفظ ذلك الميزان ضد العناصر الطبيعية، مثل الحرارة والبوردة، واليبس والجفاف، ولذلك حاس اللمس ضروري لتجانب هذه الأطراف، وهذا الحاس يحتاج إلى تعضية مومعات وأعصاب معقدة. فإذاً نرفض الرأي أن الأرواح أو الملائكة أو الشياطين لها أجسام من الجو أو النار أو شيء آخر.

2.13            ماهية الجواهر العقلية المفارقة عن المادة

إنها موجودة ، فإن كان يمكن الأنفس الإنسانية أن تقوم بدون أجسادها، وإن كان هذا ليس طبيعياً لها، أمكننا أن نفترض وجود بعض جواهر مفارقة بطبيعتها عن الأجسام. فإن جنس الجوهر العقلي لا يفترض الاتحاد بالجسم، ولو كان هذا طبيعياً للأنفس الإنسانية.

وأيضاً في معرض الموجودات نجد الإنسان في المرتبة العليا في الموجودات المادية وفي مرتبة السفلى في الموجودات الغير مادية، ولهذا نفترض وجود موجودات عليا لا متحدة بأجسام. وهي كملى مما تحتها، لأنها مجردة تماماً عن المادة وهي معقولة تماماً.

وأيضاً ينبغي أن يكون بعض العقول تعرف مباشرة ما هو معقول بنفسه، مثل الله وسائر الأرواح، لأن العلم الإنساني ينحصر في معرفة هذه الموجودات بواسطة المحسوسات، وهي ليست معقولة إلاّ بالقوة.

فإذاً نسمع إدانة موقف الصدوقيين الذين “يقولون بأنه لا قيامة ولا ملاك ولا روح” (أعمال الرسل 23: 8)، ولكن: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ (سورة البقرة 2: 177).

أما بعض النصوص فتلمح إلى أن الأرواح لها أبدان: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (سورة ص 38: 76 انظر أيضاً سورة الرحمن 55: 15). “فتراءى له ملاك الرب في لهيب نار من وسط عُلّيقة” (الخروج 3: 2). فإن النار في هتين القضيتين هي رمز طبيعة هذه الخلائق الروحية وقدرتها، ولا ينبغي أن تُفهم كوصف تركيب طبيعتها.

وبالنسبة لعددها، إن رأي أرسطو هو أن هذه الأرواح هي محركات الأجرام السماوية، وأن عددها يطابق عدد الأفلاك، ليس أكثر وليس أقل. ولكن قد رأينا كيف فشل افتراضه بوجود هذه المحركات إذا فهمنا كيف تتحرك الأجرام السماوية بقوة دافعة تبقى عن قذف سابق.

أما توما الأكويني فتبع أرسطو في وجود هذه المحركات، ولكن عارضه في حصر عدد الجواهر المفارقة في محركات الأجرام السماوية، لأن هذا العمل ليس له الأهمية كعمل التعقل. وقد رأى توما أنه بالنسبة ما يكون الشيء شريفاً يكون أيضاً كثيراً، فإذاً ينبغي أن تكون الجواهر المفارقة أكثر عدداً من عدد أنواع الطبيعية المادية في العالم. وليست هذه الأرواح من نفس النوع كالأشياء المادية، مثل صور أفلاطون،.

وأيضاً إن الممكنات، مثل عدد الأشياء وحجمها وفصولها، تجاوز بكثير عدد الموجودات، وفلهذا يمكن أن توجد أكثر أنواع الجواهر العقلية من أنواع الجواهر المادية. فإذاً نسمع: “وتخدمه ألوف ألوف وتقف بين يديه ربوات ربوات” (دانيال 7: 10). أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (سورة الأنفال 8: 9. انظر أيضاً سورة عمران 3: 124-125).

وإن الجواهر المفارقة لا تتعدد في نوع واحد، لأن كل واحد من هذه الجواهر هو ذات فردية، والتعدد في نوع يحتاج إلى المادة، وإن الأفراد في نوع مادي ليست نفس ذاتها، مثلاً ليس الإنسان إنسانيته.

وأيضاً إن تعدد الجواهر المفارقة بالنوع يزيد شرف العالم أكثر من تعدد الأفراد في نوع واحد.

وإن النفس الإنسانية ليست في نوع أي جوهر مفارق، لأن الفرق بين النفس الإنسانية وبين أي جوهر مفارق هو أكثر من الفرق بين الجواهر المفارقة.

وأيضاً لأن النفس الإنسانية يكنمها أن تعطي الجسد وجوده ولأنه إنما هي جزء النوع الإنساني، تفترق أساسياً عن سائر الجواهر العقلية.

وأيضاً إن الجوهر المفارق يعقل بنحو يختلف عن نحو تعقل النفس الإنسانية، لأن النفس تعقل بواسطة المحسوسات، أما الجوهر المفارق فلا.

كيف تُعين الجنس والنوع في الجواهر المفارقة: في الأشياء المادية إن الجنس (مثل   “الحينان”) يُأخد من المادة والتفرقة النوعية (مثل “الناطقة”) من الصورة، أما الجواهر المفارقة فليست لها مادة. وبرغم هذا، كما إنه توجد درجات الكمال في عالم المخلوقات المادية، يمكننا أن نفترض أن هذه الجواهر تفترق عن بعضها بدرجات الكمال مختلفة. فإذاً يُأخذ الجنس من الوجود الغير مادي، والتفرقة النوعية من كمالها الطبيعي، وهو يحدد وجودها. وإنما الله وحده، لأنه لا حد فيه، ليس في جنس أو نوع.

ولهذا نرفض رأي أورجين أن كل الجواهر الروحية قد خُلقت مساوية. وبالعكس ليست بمتساوية، بل كل واحدة بطبيعتها في درجة وحيدة.

2.14            علم الجواهر العقلية المفارقة

إنها لا تتحصل على علمها عن المحسوسات ، لأن هذا يحتاج إلى قوى حاسية وآلات حاسية.   وأيضاً لأنه تفوق الأنفس اللإنسانية بطبيعتها، إن ما تعقله يلزم أن يكون أعلى، أعني المعقول في نفسه، ولا ما هو معقول بالقوة كالمحسوسات. فإذاً كما ذوات هذه الجواهر هي غير مادية، كذلك يلزم أن تكون معقولاتها غير مادية، ولا محسوسة. فإن عقلنا يتحرك من القوة إلى الفعل بجعل المحسوسات معقولة بالفعل. أما الجواهر المفارقة فيلزم أن تكون دائماً بفعل تعقل المعقولات بالفعل، ولا بتعقل المحسوسات التي تحتاج إلى أن يجعلها معقولة العقل الفعال.

لأن المكان والزمان هما من خصائص المحسوسات، إنه مبين أن البعد المكاني أو الزماني ليس له تأثير في معرفة الجواهر المفارقة. فإن ما تعرفه هو الموجود الغير المادي، وإنه معقول بالفعل وهو خارج المكان والزمان. وإن معرفتها تختص بالزمان لأنها تأتي من المحسوسات، أما الزمان لا تصف ما نعرفه بنحو عام، لأننا نجرد ماهية الأشياء عن المادة.

إن عقل الجوهر المفارق دائماً بالفعل. وهذا لأن التغير بين الفعل والقوة تفترض الزمان، وإن هذه الجواهر فوق الزمان. وأيضاً إن كل الموجود الحي له عمل ما يسمر دائماً، مثل تبدل الخلايا في الأجسام الآلية، فينبغي أن يكون بعض فعل مطابق في الجواهر المفارقة.

وأيضاً إن التعاقب بين القوة والقعل يفترض التحرك ولو بالعرض، كما تعقلنا تأثره حال جزءنا الحاس، أما الجواهر المفارقة فإنها ليست بمتحركة ولو بالعرض.

إن الجواهر المفارقة تتفاهم بعضها، لأن كلها غير مادية فإذاً معقولة. وفي معرفتها أنفسها لا حاجة إلى الصورة في عقلها، كما هي الحال في المعرفة الإنسانية، لأن ما يُعقل هو معقول بنفسه.

وقد ينشأ شك لأن كل من هذه الجواهر يختلف بالنوع، أما المعرفة فتفترض أن يكون في عقلنا مثل ما يُعرف. — نجيب أن بالنسبة لمعرفة الله، إن الله، لأنه خلق كل هذه الجواهر، يعرف كلها مباشرة، وهذه الجواهر تعرف الله بأن وجودها شبه وجوده.

وأيضاً برغم أن ما تعقله هذه الجواهر هو الموجود المعقول، لا تعرفه إحداها بالاستيعاب. فإذاً إن الملائكة العليا لها معرفة عليا بصور بسطى، وإن هذه الصور أكثر عامة وأكثر التجزء في كل ما تحتوي هذه الصور، وفي هذا تعاكس معرفها معرفتنا العامة التي هي ناقصة حتى تتكمل بمعرفة جزءية.

على كل الحال إن هذه الجواهر، ناهيك معرفتها بأنفسها، تعرف بصور أو أنواع معقولة، لأنه من المستحيل أن تكون طبيعة مثل هذه الجوهر المعقولة مباشرة صورة عقل آخر، إلاّ أن تكون نفس الجوهر الآخر.

إن الجواهر المفارقة تعرف الأشياء المادية، لأن مجال معرفتها هو الموجود بصفته العامة. وأيضاً لأن هذه الجواهر تفوق العقل الإنساني، ينبغي أن تحتوي في معرفتها ما يعرف الناس، ولو بنحو عاقل لا حاس. وإن هذه الجواهر تعرف ما تحتها من الجواهر المفارقة والأشياء المادية ولا تخس بهذا، لأن صور الأشياء تكمل عقولها كصور معقولة، وليست في العقل كما هي في وجودها الطبيعي.

             وإن الجواهر المفارقة تعرف الأفراد . وبرغم أن المعرفة الإنساني العقلية تنحصر في الصور العامة وتعرف اللأفراد بمراجعة إلى المحسوسات، إن الجوهر المفارق يمكنه بمعرفة الجنس العام أن يعرف أيضاً الأنواع والمبادئ المفردة.   وأيضاً إذا كان العقل الإنساني يعرف الأفراد بمبدأتين، وهما العقل والحاس، إن الجوهر المفارق، وهو أعلى، ينبغي أن يمكنه أن يعرف الأفراد بمبدأ واحد وهو العقل. وأيضاً إن معرفتنا تنشأ بعمل مضاد لمعرفة الجواهر المفارقة، فإننا نبتدئ من الأفراد المحسوسة ونجرد الصور العامة عن الحالات المعينة، ولهذ لا يمكننا أن نعرف الأفراد بهذه الصور العامة. أما الجواهر المفارقة فإن لها معرفة تشابه معرفة الله الخالقة، وهي تمتد ليس إلى صورة الشيء فقط بل أيضاً إلى مادته، وهي مبدأ فرديته.

وبرغم هذا، لا ينبغي أن الجواهر المفارقة تعقل كل شيء في نفس الوقت، فإنه ليس من الضرورة أن الصورة التي في العقل يتفكر العقل فيها فعلاً. فإن الجوهر العقلي يمكن أن تكون له صور مختلفة وإن له الاختيار أن يتفكر في واحدة منها أو أخرى كما تريد. وبرغم هذا، إذا تفكر في صورة واحدة لزمه أن يفهم كل ما تحتويه هذه الصورة. فإذاً يمكن العقل المفارق أن يركض من فكر إلى فكر، أما هذا فليس بالاستدلال وليس بحركة بمعناها الخاص، لأنه التغير من فعل إلى فعل، ولا من القوة إلى الفعل.

وإنما يعرف عقل الله وحده كل شيء معاً، لأنه يعرف كل شيء بشيء واحد، وهو ذاته، وفعله هو ذاته. ولذلك ليس التعاقب في تعقله، بل إن تعقله كامل تماماً ودائماً، يبقى إلى أبد الآباد. آمين.