الجزء الثالث:
الله هدف المخلوقات بأجمعها3.1 مقدمة
في الجزء الأول قد تأملنا كمال الذات الإلهي، وفي الجزء الثاني قدرته كخالق الكل وربه. وفي الجزء الثالث هذا سنتأمل شرفه تعالى في أنه غاية الخلق جميعه وهدفه وكذلك عناته في إرشاد الخلق إلى هذه الغاية.
وإن الله، كما رأينا سابقاً، ليس هو فقط الموجود الأول والكامل تماماً، بل هو أيضاً مبدأ كل ما سواه، يعطيها الوجود لا بضرورة طبيعته بل باختياره الحر. ولأنه صنع كلها من العدم إنه صاحب كلها ويرشد كل واحد منها إلى هدفه الخاص. وتستحصل على هذا الهدف بأعمالها.
وإن المخلوقات العقلية التي تحمل صورة الله ليست يرشدها الله فقط بل إنها ترشد أنفسنها أيضاً، وإذا اتبعت شريعة الله حصلت على هدفها ووصلت إلى غايتها، وإلاّ ففشلت.
أما الأشياء الغير عاقلة فتصل إلى غايتها بالخصائص أو الغرائز المغروسة في طبائعها. وإن كلها فاسدة لا تبقى في وجودها الفردي، وتنقص كثيراً في تصرفاتها الطبيعية بسبب عوائق من الخارج أو بسبب الانحلال والارتهاق في داخلها. ولكن وفاء شيء واحد هو كون الآخر، والنقيصة الفردية يعوض عنها خير آخر ينتج بديلها. فإذاً كل شيء هو مسخر لقدرة الله.
ولذلك نسمع: “إن الرب إله عظيم وعلى جميع الآلهة ملك عظيم. هو الذي بيده أعماق الأرض وله قمم الجبال، له البحر وهو صنعه ويداه جبلتا اليبس” (مزمور 95: 3-5). رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (سورة النازعات 79: 28-33).
3.2 اتجاه الخلق للخير، وكيف يوجد الشر
إن كل شيء يعمل لغاية. وهذا أكثر واضحاً في الأعمال المشاروة عليها، مثل الإجراآت التي يفعلها الطبيب لإبراء المريض. أما العمل الغير مشاور عليه فهو أيضاً متجه لغاية، مثلاً من يطلق البندقة على الترس يتجه إليه، أما حركة الرصاص فيشترك في نفس الاتجاه. وإن في العالم يوجد تنوع كبير من الأعمال الطبيعية، وكل واحد منها إن له هدف خاص.
ولكن يلزم علينا أن نميز بين العمل السائر إلى ما غيره، حيث الغاية هي خارج الفاعل، وبين العمل الماكث في الفاعل، مثل المعرفة والإرادة، حيث العمل هو غاية بنفسه، ولو كان شيء في الخارج يخصه.
والاعتراف بحدوث الهزائم والخطايا والذنوب هو اعتراف بأن الأشياء لها مقصد يمكنها أن تخطيه، وإلاّ لم يفترق الخطيئة عن النجاح.
على كل حال، إن سلسلة الأهداف لا يمكنها أن يكون لامتناهية، لأن مقصداً بعيداً بُعداً لامتناهياً لا يمكنه أن يبعث الفاعل أن يأخذ الخطوة الأولى. فإن الباني مثلاً يمكنه أن يأخذ خطوات كثيرة ليتم بناء دار. ثم بعد إتمام هذا العمل يمكنه أن يعمل في مشروع آخر بسلسلة الخطوات أخرى.
وإن كل شيء يعمل لأجل خير ما، لأن تعريف الغاية هو ما يكمل به العمل وما رغبة الفاعل تستريح فيه، وهذا عين معنى الخير. وكذلك إن كل شيء يعمل ليجانب الشر، ومعنى الشر إنه عدم وصول الفاعل إلى غايته.
فإذاً إن الشر يحدث دون نية الفاعل، وهذا لأن الفاعل ينوي الخير، وكل فشل في الوصول إلى هذا الخير فإنه بسبب خلل في المبدأ الفاعل أو من عائق. وفي كل التغيير إن الصورة الجديدة هي الخير الذي ينويه الاختيار أو تقصده الطبيعة، وفقد الصورة السابقة إنه شر عرضي.
وقد عارضنا كون الشر غير طبيعي أو غير منوي، فإذاً يجب ألاّ يكون واسع الانتشار كما هو الحال، لأن العمل الطبيعي تتميز عن الاتفاق بأنه عادي أو يحدث في الأكثرية. — نجيب أن الفساد أو الموت ليس شراً بالإطلاق، بل إنما بالاتفاق وللفرد الفاني، لأن المادة إنها في القوة إلى جميع الصور ولا يجب أن تكون لها هذه الصورة المعينة ولا أخرى، كما لا يجب أن تكون للإنسان أجنحة. وعليه إن كون شيء جديد يتضمن ضرورة فساد الشيء القديم، وهذا انسياق طبيعي وليس عفوياً. أما إذا وُلد شيء مشوهاً، كان هذا شراً غير منوي، وإذا وقع عادياً كان هذا من نقصان في الوالدين، وإلاّ هو بالاتفاق.
وعورض أيضاً أن الذنب هو اختياري، لأنه لم يُعاقَب أحد لو لم ينو أن يعمل الشر. — نجيب أن الفاعل المختار لا يحفزه الخير العام بل الخير الفردي. وإذا كان النقص الأخلاقي ارتبط بهذا الخير دائماً أو في الأكثرية، يمكننا أن نفترض أن هذا الشر هو معلوم ومنوي، ولذلك إن إرادته مذنبة، أما إن كان الشر يقع نادراً، مثل مصادفة السيارة لسائق جيد، فكان هذا غير مرغوب وليس بذنب. وإن أكثر الذنوب المنوية يحدث لأن أغلبية الناس يعيشون على مستوى الجذب الحسي وإنهم مستعدون أن يهجروا العقل في سبيل التحصل على اللذة، فإنهم ينوون الشر غير مباشرة، مثلما راكب السفينة في العاصفة يرمي الشحنة في البحر اخيناراً من أجل إنقاذ نفسه والسفينة.
كذلك لا شيء هو شر بذاته، لأن الشر هو انعدام ما ينبغي أن يكون حاضراً، وهذا هو دائماً في موضوع خير، لأنه موجود. ولذلك قال النص: “ورأى الله جميع ما صنعه فإذا هو حسن جداً” (التكوين 1: 31). الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (سورة السجدة 37: 7).
وقد عورض أن بعض الأفعال الأخلاقية هي رديئة بنوعها وبنفسها، وإن النوع يشير إلى ذات الشيء. — نجيب أن خير الفعل أو شره يحصل عمّا ينويه الفاعل، وهذا دائماً خير في نفسه لأنه موجود، وقد يكون شراً للإنسان لأنه لا يطابق نظام العقل.
وقد عورض أيضاً أن كل النقيضات في الطبيعة إنها إيجابية، ولو تُقيّس بدرجات الشدة في نفس الشيء، مثل السخونة والبرد والأبيض والأسود. وكذلك إن الخير والشر هما نقيضان، فيجب أن يكونا إيجابيين. — نجيب أن الشر الأخلاقي هو عدم الخير، ولكن يؤسس في شيء إيجابي، مثلما إن الأعمى هو إنسان أولاً، ثم إنه أعمى.
وقد عورض أيضاً أن الشر إنه فاعل، كما نقول إن الشر يُفسد. — نلاحظ أن قوة الإفساد هي خير، ولكن تفسد بسوء الاستعمال، كما يحصل بمادات متفجرة والأسلحة.
وعورض أيضاً أن الشر هو واضح بواقع العالم. أما الواقع والموجود هما نفس الشيء، ولذلك يظهر أن الشر له وجوده الخاص. — نجيب أن الموجود، بحيث هو واقع، لا يتضمن أي عدم أو شر، أما الوجود في القضية العقلية فيمتد حتى العدم والشر، كما نقول إن للشيء عدم ما ينبغي أن يكون له.
وما نقول هنا يضاد نظرية المانكيين في الزمان العتيق وهو إنه في العالم مبدآن: الأول هو حسن وروحي والآخر رديء ومادي، ومن ثم موقف هؤلاء إن المجوس في الفرس ورثوه. وفي زمانها هذا أيضاً يوجد من يصرّ على واقعية الشر في العالم ويزعم أن له وجود ما بنفسه. وتميل إلى نفس الاتجاه اعتقاد الدين التقليدي في الإفريقية، من حيث تفترض أن بعض الجن الرديئين خارج سيطرة الله.
وإن علة الشر هو الخير، وهذا لأن الشر ليس موجوداً بذاته ولذلك لا يمكنه أن يكون علة. وإنما الخير يعلل الشر بالعرض، لأن الخير لا يمكنه أن يؤتي إلاّ الخير. أما قوته الفاعلة فقد يكون ناقصة، فإذاً المعلول هو ناقص أيضاً. والنقصان قد يصدر عن آلة ناقصة أو انعدام المادة الملائمة، مثل الغداء الطيب.
وإن الشر الأخلاقي هو فعل الإرادة المشوهة. ونقص الإرادة هذا ليس من طبيعته أو بالاتفاق، أما بينما تتجول في الخيار التي تعرضها لها الحواس والعقل، فتحرف العقل لينقّي ما لا يليق بالظروف.
وإن الشر يؤسس في الخير، لأنه لا يمكنه أن يوجد بنفسه، بل إنه عدم لا يوجد إلاّ في موضوع. وإن الشراً لا يوجد في نقيضه، مثل العمى في البصر، بل في موضوع، مثل الحيوان.
ومهما تعدد الشر لم يمكنه أن يدحر الخير تماماً، لأن العدم يحتاج دائماً إلى موضوع خير. فإن البصر، مثلاً، يمكنه أن يقصر حتى يفني، أما العمى فيبقى دائماً في موضوع.
أما بعض الخيار، وخاصة الخير الأخلاقي، لا يفسد بنقص في القوة بل بزيادة العوائق لعملها المناسب. وهذا يحصل للإرادة بأعمال خاطئة، وبالنسبة لتكرير هذه الأعمال تغرق الإرادة أعمق في الاتجاه الضال وتجد أكثر الصعوبة لتخرج منها. وهكذا إن الشر الأخلاقي يمكنه أن يتكاثر بلا نهاية، أما بغرم هذا فخير الإرادة الطبيعي يبقى.
وإن الشر إذاً له علة بالعرض. فإن له علة لأنه في موضوع كحال مضادة الخير ومعارضة الطبيعة. أما علته فإنها عرضية، لأن كل العلة هي مباشرة علة موجود وخير ما، وإما كان العلة الفاعلة ناقضة، كآلة لا تعمل جيداً، وإما كان العلة المادية ناقصة، مثل عدم الغذاء الكافي في النبات أو الحيوان، وإما تفقد الصورة بكون شيء آخر، وإما الغاية الخاطئة تمنع الشيء عن نظمه للغاية المناسبة.
ولا يوجد شر إطلاقي، لأن الشر لا يتواجد منفصلاً انفصالاً تماماً عن الخير. وأيضاً للزم أن يكون الشر الإطلاقي شراً بالذات، أما كل ذات، كما رأينا، فإنها خير بطبيعتها. وأيضاً إن الشر لا يمكنه أن يوجد خارج الخير الذي يؤسس فيه. وعليه لو كان شر إطلاقي للزم أن لا يكون له علة، أما الشر فيحدث وهو معلول بالعرض.
وإن غاية كل شيء هي الخير، لأن كل شيء يعمل للخير الذي يستريح شوقه الطبيعي فيه. فإن الأشياء التي تعرف الغاية تحرك أنفسها للغاية، أما الأشياء الغير عالمة فإنها يحركها شيء آخر، مثل السيارة يحركها السائق، والأشياء الطبيعية يحركها مبدع طبيعتها.
3.3 الله هدف للكل
إن كل شيء متحه لله كهدفه. فلأن الله هو الخير المطلق وعلة الخير في كل ما سواه، إنه العلة لكون أي شيء آخر مطلوباً كغاية. وكما كل علة ثانوية تعمل بأثير العلة الفاعلة الأولى، كذلك كل ما يشترك في خيرية الله يجد إجاز كماله في اتجاهه لخير الله وفي خدمة مقاصده مباشرة أو غير مباشرة. فإننا نسمع: “الرب صنع كل شيء لغايته” (الأمثال 16: 4). إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (سورة البقرة 2: 156).
أما الله فليس بغاية تحصل باتهاء العمل، كالنجاح في لعب، ولكن كان قبل كل حركة إليه. وأيضاً ليس كالقائد العام الذي يجتهد جنوده لأجل نصره. فإنه لا يستفيد شيئاً من عمل خلائقه لأجله، بل إنه الفعل المحض، دائماً يعطي ولا يقبل، بحيث تستفيد الخلائق من العمل لأجله.
وإن كل الأشياء تطلب مشابهة الله، لأن الكمال الذي تتحصل عليه بأعمالها إنه مشاركة في خير الله ووجوده وكماله. فإن الخلائق تقتدي بالخير الإلهي، ولكن لا يمكنها أن تصبح الخير الإطلاقي، فإن الله وحده يتصف بهذا. ولا يمكن أن يكون لها كل الكمالات التي يمتلكها الله بل إن لكل واحد منها كمال خاص يشابه كمال الله بشكل معين ما. فإن الجواهر الروحية تقتدي بالله بالنحو الأكمل، ثم تقتديه الجواهر المادية بمستوى أسفل. وحتى المادة الأولى، ولو لم يكن له الوجود إلاّ بالقوة، إنها خير بالفعل، لأن الخير هو الاتجاه نحو هدف، وإن الشيء المتجه إلى هدف خير هو خير ولو لم يصل بعد إلى الهدف.
وإن خير الله هو مثمر بحيث يخلق بسخاء ويوزع الخير بصفات لا تحصى. فإذاً تقتدي الخلائق بالله أيضاً بكونها علل ما سواها. فإنه مبيّن أنه إنما الأشياء الناضجة والكاملة يمكنها أن تولد أمثالها. وهذا يستوعب ليس التوليد الطبيعي فقط بل أيضاً، في الشؤون البشرية، التربية والتشكيل الروحي، كما نسمع: “نحن عاملون معاً في عمل الله” (1 قورنتس 3: 9). أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (سورة الشعراء 26: 7).
وإن الأشياء تحقق هدف وجودها بأعمالها، ولكن بأنواع مختلفة، أحياناً بالانفعال، مثل صعود الحرارة، وأحياناً بفعل في الآخر، مثل التسخين. وإن بعض الأعمال الأخرى ليست بالتغيرات الطبيعية بل إنها أعمال ساكنة في الداخل، مثل الإحساس والتعقل. وإن قوة المادة تستكمل بالنسبة لعلو صورتها، فإذاً توجد درجات الكمال، من الاسطقسات البسيطة إلى العناصر البسيطة والعناصر العضوية والحياة النباتية والحياة الحاسة وأخيراً إلى الحياة العقلية.
وإن الأشياء العليا تتعلق على ما هو أسفل منها وتستعملها، لأن الكمالات الخاصة بأي مستوى الوجود هي أشد قوة في ذلك المستوى منه في المستوى الأعلى، وفي مستوى الحواس مثلاً إن الحشرات والحيوانات لها قوى الإحساس والحركة حسنى من الإنسان. وإن بعض كمالات الموجودات السفلى لا يوجد في المستويات العليا، ولكنها تخدمها. فإن الإنسان مثلاً يُحرز الغذاء والثياب والسكنة والنقل إلى آخره باستعمال الأشياء السفلى. فإذاً إن كل الأشياء في العالم، حتى ترتيب الأجرام السماوية التي تسمح الحياة في الأرض، هي منظمة لأجل خير الإنسان، كما نسمع: “على صنع يديك ولّيته، وكل شيء تحت قدميه جعلته” (مزمور 8: 8). اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَءَاتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (سورة إبراهيم 14: 32-34).
وحتى الأشياء الناقصة العلم تطلب خيراً هو شبه الله، فإن هذه تعمل لأجل هدف، يرشدها الله الذي أبدع طبائعها ويحفظ كل فرد منها في الوجود. فإن هدف أعمالها هو خير أو كمال ما وهو مشاركة في كمال الله. ولأن هذه الأشياء يرشدها الله العلة الأولى، إن هدفها الأول هو المشاركة في خير الله كالغاية النهائية للكل، أما هدفها الثاني فإن هذه المشاركة هي أيضاً خيرها الخاص.
وهنا يمكنها أن نميز مستويات مختلفة لمشاركة الأشياء الناقصة العلم في خير الله، فإن المستوى الأسفل هو ميل كل واحد أن يحفظ وجوده الفردي. أما مستوى أعلى فهو الميل لتوليد أفراد أخرى من نفس النوع. وعلى مستوى أعلى إن بعض الأشياء تنشئ خيار عامة تفيد أنواع الموجودات أخرى، مثل الشجر التي تثمر أكلاً للحيوانات والإنسان، وإن هذا يوجد في نظام المسكونة منعقد ومعجب جداً. أما الأشياء الناقصة العلم إنها تشترك في خير الله على المستوى الأعلى والأبسط بفعل وجودها، فهذا يشبه الله بالقياس ويتعلق عليه مباشرة.
3.4 الهدف الخاص للمخلوق العقلي هو معرفة الله
إن معرفة الله هي هدف كل مخلوق عقلي ، وهذا لأن كل المخلوق يطلب الله بالعمل الذي هو الأعلى والخاص له، وفي الإنسان هو المعرفة. وإن الله الذي هو الموجود الأكثر معقولاً هو المعقول الأكمل للعقل المخلوق، كان هذا العقل الأذكى من الملائكة أو الأبطأ من الناس. فإذاً كل العلوم وفنون التكنولوجيا ليست مرغوباً فيها كهدف، بل كوسيلة لتوفير حاجات الحياة والراحة. أما بين الأعمال الاستراحية إن اللعب ليس إلاّ وسيلة إنعاش العقل لكي يتأمل الحق. وفي ميدان الحق إننا نطلب طبيعياً أن نصل حتى إلى المبدأ الأول للكل، وإن هذه المعرفة هي المعرفة العليا، كما نسمع: “طوبى لأطهار القلوب فإنهم يشاهدون الله” (متى 5: 8). وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (سورة القيامة 25: 22-23).
والطريق الأول للسعادة أو لوصول إلى الله ليس بالإرادة، مثل محبة الله، وهذا لأن العقل يصل إلى الله قبل الإرادة، لأن الإرادة لا تحب إلاّ ما هو معروف. وإن كل أفعال الإرادة، مثل الرغبة أو المحبة أو الالتذاذ إنما هي تتبع المعرفة. وإن الله خير ومحبوب لأنه معقول بالإطلاق. فإذاً إن معرفته هي كمال العقل والعمل الإنساني الأكمل.
وإن السعادة ليست في اللذة الحسية ، مثل الأكل والجماع، لأن لذة هذه الأعمال إنما هي لأجل الهدف العام لكل الحيوانات، وهو الحفظ على الفرد أو النوع في الوجود. وهذا ليس بغاية الإنسان القصوى.
وأيضاً إن الخيار الحسية ليست فقط دنيى من الخيار العقلية، بل إنما يُلتذ بها بالاعتدال، أما الخير الأعظم الذي هو فوقنا فلا حد في الالتذاد فيه، أما اللذة الحسية فقد يعوق عن التقرب من الله بالتأمل.
فإذاً يصف النص فكر الداهري كما يلي: “فرأيت أن الأحسن والأليق به أن يأكل ويشرب ويذوق هناء كل تعبه الذي عاناه تحت الشمس” (الجامعة 5: 17). “ولا يكن فينا من لا يشترك في قصفنا. لنترك في كل مكان علامات ابتهاجنا، فإن هذا حظنا وهذا نصيبنا” (الحكمة 6: 9). اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (سورة الرعد 13: 26). زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (سورة آل عمران 3: 14).
وإن السعادة ليست في التكريم والشهرة والشعبية، لأنها خارجة للإنسان وتفترض خيراً نفسياً أعلى يستحق التكريم. وأيضاً إن التكريم يفر تمكن الإنسان منه وقد يُمنح للأشرار. وإن الشعبية والشهرة في أكثر الأوضاع تخضعان للغلط وهما غير المستقرتين بالغاية، لأن الظن العام قد يتلاعب به ويمكن حدثاً واحداً أن يجعل الشخص مبغوضاً.
وإن السعادة ليست في فالثروة، لأنه إنما هي وسيلة لتجعل الحياة ممكنة ومريحة. وإنها تخضع للإنسان الذي هو خير أعلى منها. وإنه ممكن أيضاً أن يفقدها الأخيار ويملكها الأشرار. وأيضاً إنه أكثر جديراً أن يُعطى المال منه أن يُدخر.
وإن السعادة ليست في السلطة السياسية، فإنها خير آخر خارجي للإنسان. وهي أيضاً غير مستقرة بالغاية وتستند على العديد من الناس والظروف الاتفاقية. وأيضاً لا تفترض أن صاحبها هو ذو الفضيلة، وإنه سهل أن يستعملها بالسوء.
وإن السعادة ليست في الكمال البدني، مثل الصحة والجمال والقوة، لأنه قد يملكه الأشرار كالأخيار، وإنه غير مستقر وعابر بالغاية. وأيضاً إن كمال النفس هو أعلى وخاص للإنسان، أما كمال البدن فإنه عام لكل الحيوانات. وفي الواقع إن الحيوانات تفوق الإنسان في حال البدن.
وإن السعادة ليست في المعرفة الحسية، لأنها عامة لكل الحيوانات وهي سفلى من المعرفة العقلية، مع أن المعرفة الحسية هي مهمة للحاجات الجسدية وهي مصدر العلم العقلي، وفي هذه الحال إنها تخضع لخير أعلى.
وإن السعادة ليست أساسياً في أعمال الفضائل الأخلاقية، لأن كلاً منها تخضع لخير أعلى، فإن العدالة مثلاً هي لأجل السلامة، واعتدال النزوعات هو لأجل قيادة الحياة بحسب العقل، حيث كمال الله يظهر بأكثر الكمال.
وإن السعادة ليست رئيسياً في الفضيلة الأخلاقية التي هي الحصافة، أو الحكمة التطبيقية، لأن هذه إنما هي استعمال العقل في تصرفات الفضائل الأخلاقية، فتخصص الوسط الذي يلزم حفظه في ضبط النزوعات وفي التصرفات في المجتمع.
وإن السعادة ليست في فعل الفن، وهي فضيلة عقلية أيضاً وهي العلم والخبرة في صناعة ما يفيد الناس في حاجاتهم أو استجمامهم. فإن فنون التكنولجيا المختلفة تنشئ ما يستهلك الناس أو ما يخدمهم، بينما الفنون الجميلة تنشئ أعمال الجمال التي تنعش الناس وتعدهم لتأمل الحق.
وإن السعادة ليست في اللعب والطرف، ولو كانا أكثر محبوبين من العمل الشديد. فإن قيمتهما هي أنهما يجددان نشاط البدن والنفس، لكي يرجع الشخص ليس فقط إلى عمله بل إلى ما هو فوقه، وهذا هو تأمل الحق، وخاصة الحق الإلهي.
وأخيراً إن السعادة هي في تأمل الله. فإذا لم تكن في الأشياء الخارجية ولا في خيار الأبدان ولا في جزء النفس الحسي ولا في الفضائل العقلية المتعلقة بالعمل، فبقي أن تكون في فعل العقل الذي هو تأمل الحق. وهذا الفعل خاص للإنسان لا يشترك فيه مخلوق أسفل. وإن تأمل الحق هو هدف في نفسه، وإليه يتجه كل ما سواه في الحياة. ولكن لأنه توجد قيم مختلفة في المعلومات، إن السعادة الإنسانية ليست أولاً في معرفة الأشياء السفلى بل في معرفة الأشياء العليا، وخاصة مبدأ الكل، وهو الله.
3.5 معرفة الله الذي يُحتاج إليها للسعادة
إن السعادة ليست في معرفة الله كما يعرفه أكثر الناس خارج الأديان الموحدة. لإن تفكير أغلبهم في الله إما عام أو مشتت، لأن العقل يقودهم إلى معرفة حدسية أن للعالم علة ومصمم. وأغلب هؤلاء لا يدركون هل هذه العلة واحدة أو عديدة أم هل هي قدرة مميزة عن الطبيعة. فإن معرفتهم ليست فقط مشبوبة بالأخطاء، بل إنها أيضاً ابتدائية جداً وعامة. أما السعادة هي في عمل العقل كامل.
وإن السعادة ليست في معرفة الله بطريق البرهان. وبالرغم أنه كنّا نعرف بالبرهان أن الله هو غير متغير وغير جسمي وغير متجزأ وهو سرمدي وواحد وإلى آخره، هذه المعرفة لا تكفي للحصول على السعادة لأسباب عديدة: منها أن هذه الحقائق كلها سلبية، تقول ما ليس الله به ولا ما هو هو. ثم إن قليل من الناس يستطيعون أن يصلوا إلى هذه المعرفة البرهانية، أما السعادة فيجب أن تكون متيسرة الحصول عليها لجميع الناس. وعليه إن كثير من الفلاسفة يقعون في الضلال والشك في حقيقة الله، أما السعادة فلا توجد مع الضلال والشك.
وإن السعادة ليست في معرفة الله بطريق اإيمان. وبالرغم دور الوحي أنه يصلح أغلاط الفلسفة ويعطينا معرفة الله حسنى من معرفة الفلسفة، إن تعريف الإيمان هو أنه حول الحق الذي لم يُر ولم يُدرك، بل إنما نأخذه عن كلمة الآخر. وإن كان هذا الآخر الله، إن الحقائق التي يعرضها الإيمان تترك العقل جائعاً ليرى هذه الحقائق مباشرة، كما نقرأ: “ما دمنا في هذا الجسد نحن في هجرة عن الرب، لأننا نسير في الإيمان لا في العيان” (2 قورنتس 5: 6-7). أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (سورة الأنفال 8: 4).
وإن السعادة ليست في معرفة الله بطريق معرفة الأرواح، كما زعم ابن رشد (في شرح كتاب النفس 3: 36). فإن حجته أن معرفة الأرواح تسمح لنا أن نشترك في معرفة الله العليا التي هي عندها بمعرفتها المباشرة لذواتها، فإن ذواتها شبه كمال الله. — نجيب أن مشكلة واحدة في هذه النظرية هي أن كل معرفتنا في هذه الحياة تأتي من المحسوسات. فإن معرفتنا لهذه الأرواح، مثل معرفتنا لله، تأتي من معرفة معلولاتها في العالم الحسي. فإن هذه المعلولات قد تكلمنا عن وجود هذه الأرواح وما هي ليست به، ولكن لا ما هي هي. وحتى أنفسنا لا نستطيع أن نعرفها مباشرة في هذه الحياة، بل إنما عن طريق رؤية أعمالنا.
أما المشكلة الثانية في هذه النظرية فإنه لو كنّا نستطيع أن نعرف الأرواح مباشرة ونشترك في معرفها لله، لكانت هذه المعرفة ناقضة، لأنها ليست إلاّ رؤية الله في معلولاته، مع أن هذه الأرواح هي أشباه الله شرفى من الأشياء المادية.
فإذاً ننتج أنه في هذه الحياة لا نستطيع أن نعرف ذات الله، لأنه في هذه الحياة كل معرفتها تأتي من المحسوسات وتستعملها في معرفة ما هو أعلى. والنصوص المقدسة التي تقول إن فلاناً رأى الله يجب أن نفهمها كأن هذا حدث بطريق الأمثال الحسية، إما في الطبيعة وإما في المخيلات وإما في معلولات الله روحية.
أما نظرية القديس أوغسطين أن كل معفتنا تأتي من الحق الأول بطريق الإشراق، فيجب أن نفهمها بالمعنى أن كل معرفتنا هي شبه معرفة الله السرمدية، ولا أنه نعرف المحسوسات بمشاهدة ذات الله.
فإن النص يقول: “لا يراني الإنسان ويحيا” (الخروج 33: 20). “فنحن اليوم نرى في مرآة رؤية ملتبسة، وأما في ذلك اليوم فتكون رؤيتنا وجهاً لوجه” (1 قورنتس 13: 12). وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (سورة الشورة 42: 51).
وننتج أيضاً أن السعادة الكاملة مستحيلة في هذه الحياة، لأننا لا نستطيع أن نعرف ذات الله بأي من طرق المعرفة التي قد عرضنا، بل إن كلها تتركنا متلهفين لمعرفة كُملى. وعليه فإن هذه الحياة غير مستقرة، فكثيراً ما يمنعنا المرض أو الكوارث عن امتتاع ما يسعدنا في هذه الحياة. فإنه مستحيل أن نجنب كل الجوع أو العطش أن إفراط الحرارة أو البرد. ولا عصمة لأحد معصوم عن انحراف النزوعات حتى يخطئ بعض الشيء عن وسط الفضيلة. ولا يوجد فقد واحد غير خطاء في بعض الأشياء أو على الأقل يجهل ما يريد أن نعرفه. وأيضاً إن البلوغ الأخلاقي والعلمي الذي يحصل عليه الشخص بجهد عقود من السنوات في النهاية يتوجه الموت.
ولذلك إن بعض الفلاسفة قالوا إن السعادة الإنسانية الكبرى هي ما نحصل عليها في هذه الحياة، ولو كانت ناقصة. فإن أرسطو قال إن السعادة هي معرفة الله بطريق علم ما بعد الطبيعة أو الإلهيات، وقال ابن رشد إنها في اتصال بالعقل الفعال أو الملائكة. أما في الاجتهاد في هذه المسألة فهذان العاقلان الكبيران لم يستطيعا أن يفهما أن الرغبة الطبيعية، مثل الرغبة في السعادة الكاملة، لا يمكنها أن تكون باطلة وأن تُحبَط للأبد. ولكن نجونا من هذه المشكلة إن افترضنا أن السعادة الكاملة مستحيلة في هذه الحياة، بل هي ممكنة في الآخرة. فإن النفس في الآخرة سوف تعرف بنوع أعلى، مثل الملائكة، كما نسمع: “افرحوا وابتهجوا: إن أجركم في السموات عظيم” (متى 5: 12). وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (سورة الأنعام 6: 32).
3.6 كيفية العلم بالله في الآخرة
إن الجواهر المفارقة، ومنها الملائكة وأنفس الناس المتوفية، تعرف الله بطريق معرفتها المباشرة لذواتها. أما هذه المعرفة فليست معرفة ذات الله. فإن معرفتها لله كعلة وجودها الفاعلة ومثالية قليل ما تعطيها من معرفة قدرة الله اللامتناهية، فإنه يفوق كل مخلوق بلا قياس. أما معرفتها الطبيعية المحددة فتفوق بكثير معرفتنا في هذه الحياة، لأن ذواتها تشابه كمال الله أكثر من أي شيء نعرفه. وإنها ترون امتداد فعل الله الخلقي أحسن مننا بالكثير، وإنها تعرف أيضاً بنوع أحسن ما ليس الله به. فإن هذه المعرفة السلبي، وهي معرفتنا لله الطبيعية الحسنى، قد أشار إليها النص: “وتقدم موسى إلى الغمام المظلم الذي في الله” (الخروج 20: 21). هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ (سورة البقرة 2: 210).
أما معرفة الجواهر المفارقة لذواتها هذه التي تعرف الله بها فلا تشبع عقلها، لأن معرفتها لله الغير مباشرة تجعلها أن يشتاق إلى معرفته مباشرة وإلى معرفة ماهيته وليس فقط إنيته. فإن الجواهر المفارقة التي تعرف الله بمعرفة العجائبه المخلوقة بأكمل نوع مننا ترغب أن تعرف الله كما هو في نفسه أكثر رغبة مننا. فإننا نلاحظ أن شوقنا لأي شيء يشبع بالتحصل على ذلك الشيء، أما رغبتنا في معرفة الحق هي لامتناهية فلا تشبع حتى نعرف أصل جميع الأشياء. فإن هذه المعرفة يصفها النص بأمثال: “إن الحكمة أرسلت جواريها تنادي: هلموا كلوا من خبزي واشربوا من الخمر التي مزجت. اتركوا السذاجة فتحيوا، اسلكوا طريق الفطنة” (الأمثال 9: 3،5-6). مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ (سورة محمد 47: 15).
وإن كنّا سوف نرى الله وتشبع رغبتنا الطبيعية، فلم يمكن أن نراه في مثل مخلوق أو بفكرنا، بل إنما في نفسه، بحيث يكون في نفس الحين هو ما نعرفه والصورة التي نعرفه بها. فإن معرفتنا لسائر الأشياء لا يمكنها أن تكون بهذا النوع، بل يجب أن تكون بطريق صور أو أفكار في عقلنا وهي مميزة عن معلوماتنا. وهذا لأن سائر الأشياء ليست بصورة محض بل إنها الصورة في المادة أو الصورة في القوة إلى الوجود. وإنما الله وحده هو حقيقي والحق نفسه. فيمكنه إذاً أن يكون صورة العقل المخلوق مباشرة، بديلاً عن الصورة المخلوقة أو الفكر. وإن هذا يحصل بدون تمتازُج أو تركيب الخالق والمخلوق، بل يتحد بالعقل المخلوق ككمال خارجي لذلك العقل.
أما رؤية الله هذه يلزمنا أن نفهم أنها فوق قدرة العقل المخلوق أن يصل إليها، بل إنما يلزم أن يعطيها الله، فيقبلها العقل منه. وهذا لأن معرفة ذات الله هي فعل خاص لله يشترك فيها كشريك أسفل ينفعل بفعل الله الذي يجذب العقل إلى المشاركة مع نفسه، كما نسمع: “وأما هبة الله فهي الحياة الأبدية” (إلى أهل رومة 7: 23). وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (سورة الواقعة 56: 10-12).
وإن العقل المخلوق هذا الذي ينتسب لله كصورة خارجية يلزم أن يقوّيه الله لهذا الفعل. وإن هذه القوة التي يفيضها الله في العقل تسمى “نور المجد”، لأنها تمنح العقل الطاقة لتتحد بالله كصورة عقلية. فإن ذات الله هي المعرفة وهي علة المعرفة في سائر العقول، كما نسمع: “لا تكون الشمس من بعد نوراً لك في النهار ولا ينيرك القمر بضيائه في الليل، بل الرب يكون لك نوراً أبدياً وإلهك يكون جلالك” (أشعيا 60: 19). اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (سورة النور 24: 35).
وقد يعارض إمكانية رؤية الله من يشير إلى البعد اللامتناهي بين كمال الله وبين أي عقل مخلوق، ويقول إن هذا البعد لا يمكن أي نور المجد أن يجسره. — نجيب أن الله ليس خارج طبقة المعقولية كما إن الصوت خارج طبقة البصر، بل لأنه معقول غاية المعقولية، يحتاج العقل إلى نور مختص يمكنه أن يتصل به. أما هذا النور فلا يجسر البعد اللامتناهي بينه وبين الله، بل يرتبط العقل بالله كصورة العقل ومعقول مميز عنه.
أما رؤية الله المسعدة ليست بمستوعبة، وهذا لأن نور المجد الذي يمكن هذه الرؤية هو غير مقارن مع رؤية الله الكاملة لنفسه، فلا يستمد إلى معرفته كما هو معروف لنفسه. ولكن عدم الاستيعاب لا يعني أن الرؤية المسعدة تمتد إلى جزء ما لله ولا جزء آخر، لأن وجود الله بسيط وغير متجزأ، بل إن العقل المخلوق لا يمكنه أن يرى الله بمدى معروفيته كلها.
وكذلك في الرؤية المسعدة لا يرى العقل المخلوق كل ما يراه الله مما سواه. وهذا لأن العقل لا يمكنه أن يعرف كل المعلولات الممكنة للعلة إلاّ إذا عرف العلة معرفة شاملة، وإن العقل المخلوق لا يعرف الله بهذه المعرفة، لأن عقل الله يتفوق عليه بالقدرة والوسع تفوقاً لامتناهياً. وعليه إن الخلق يتوقف على إرادة الله الحرة، فإذاً بمعرفة ذاته لا نستطيع أن نعرف ما يختار أن يخلق.
وإن الرؤية المسعدة مفتوحة للكل، لأن نور المجد هو هبة الله ولا قوة طبيعية تُقيَّس بوسع العقل أو ضعفه. فإن التفرقة بين العقول المخلوقة هي متناهية وتقريباً ولا تجدر بالذكر إذا قارنناها بالبعد اللامتناهي بين أي عقل مخلوق وبين الله. فإذاً إن الرغبة الطبيعية لكل واحد أن يرى الله هي ممكنة النجاز، كما قال النص: “يكونون مثل الملائكة في السماء” (متى 22: 30). لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (سورة الأنبياء 21: 103).
ولكن إنه توجد درجات مختلفة للمشاركة في رؤية الله، لأن الناس متفاوتين بدرجة الفضائل الأخلاقية، وهي الاستعداد للرؤية المسعدة. وبرغم أنه لكل منهم نفس الجزاء، فيشتركون فيه اشتراكاً متفاوتاً. فإذاً نسمع: “في بيت أبي منازل كثيرة” (يوحنا 14: 2). وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (سورة الواقعة 56: 10-12).
وإن الرؤية المسعدة تحتوي علم نظم العالم وكل ما فيه الذي نرغب في معرفته، لأن العقل يرغب بهذه المعرفة بطبيعته، ومعرفة الله لا تحدد العقل بل توسع مداركه ليستوعب كل ما يمكن طبيعته أن يعرفه. ولكن العقل المخلوق لا يستطيع أن يعرف كل ما يمكن الله أن يخلقه، لأن هذا لامتناه. وأيضاً لا يستطيع العقل المخلوق أن يعرف مقاصد كل شيء بحسب نظام حكمة الله وعنايته، لأن هذا يتضمن معرفة مستوعبة لخير الله وحكمته. وأيضاً لا يستطيع العقل المخلوق أن يعرف ما يتوقف على إرادة الله الحرة، مثل من قدّر نجاحه الأبدي أو من يختاره ويقدسه. فإذاً نسمع: “فهو الذي وهب لي علماً يقيناً بالكائنات حتى أعرف نظام العالم وفاعلية العناصر — فعرفت كل ما خفي وكل ما ظهر” (الحكمة 7: 17،20). وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ (سورة البقرة 2: 251). وبجانب آخر نسمع: “رأيت من جهة أعمال الله كلها أن الإنسان لا يستطيع أن يجد العمل الذي يُعمل تحت الشمس” (الجامعة 8: 17). وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (سورة آل عمران 3: 179).
وإن العقل في رؤية المسعدة لا يرى شيئاً بعد شيء، بل يرى كل شيء بمشاهدة مستمرة. وهذا لأن السعادة هي في الفعل ولا في القوة أو الملكة. وأيضاً إن الرؤية يلزمها أن تكون واحدة لتحتوي كل ما يُعلم، وخاصة الأرقام اللامتناهية، فإنه مستحيل أن يمسكها العقل جزءاً جزءاً.
وإن هذه الرؤية هي الحياة الأبدية، لأنه فيها ليس أي تعاقب بل إنها فعل إجمالي متزامن يشترك في سرمدية الله. وهذا لأن المرئي هو وجود الله السرمدي، وهو الوسيلة لرؤية الله وكل ما سواه، وعليه إن العقل يعيش فوق المزان. فإذاً إن علم النفس الإنسانية المغمس في الشؤون الزمنية في هذه الحياة هو زائل، أما عمله المتعلق بالأشياء العليا في الآخرة فإنه يشترك في سرمدية الله. فنسمع: “والحياة الأبدية هي أ ن يعرفوك أنت الإله الحق وحدك ويعرفوا الذي أرسلته” (يوحنا 17: 3). وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (سورة آل عمران 3: 106).
وكذلك إن المستمتعين بالرؤية المسعدة لا يمكنهم أن يفقدوها، لأنهم لا يخضعون للتغيرات الزمنية، بل إن تقربهم من الله يجعلهم أن يشتركوا في ثبوته ويجعل إرادتهم أن تستريح في محبوبهم. ولا يمكنه أن يحزنهم خوف فقده بالعنف أو بعدم وجودهم أو بفقد نور المجد أو بفقد رؤية الله أو برغبة في شيء أحسن.
وأيضاً إن هذه الرؤية لا يمكنها أن تكون متعبة، لأن تعب التعقل يحصل بسبب تعب آلات الحواس، فإنها ضرورية في هذه الحياة، أما رؤية الله تحصل بدون أعضاء الحواس ولا تتعب العقل بل إنما تقوّيه. وعليه لأن العقل لا يعلم بمعرفة الله الشاملة إنه دائماً في حال الإعجاب، والإعجاب يمنع التعب.
وإن ما قلنا هنا يعارض موقف أفلاطون وأورجين الذين زعما أن النفس، بعد اتصالها إلى سعادتها الأخيرة يمكنها أن تتناسخ. وبالعكس نقرأ: “طوبى لسكّان بيتك فإنهم لا يكفّون عن تسبيحك” (مزمور 84: 5). أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (سورة الأحقاف 46: 14).
وننتج بالقول أن الرؤية المسعدة تنجز كل رغبة إنسانية، كما قيل: “يشبع سنيك خيراً” (مزمور 103: 5). جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (سورة النحل 16: 31).
فإنها تشبع الرغبة في معرفة الحق، لأنه في الحق الأول يرى السعيد كل ما يشتاق بطبيعته أن يعرفه. وإنها تشبع الرغبة في الكمال الأخلاقي، لأنه في ذلك المقام إن العقل فد تقوى بقوته الكامل ولا يمكنه أن ينحرف بأي ضعف أخلاقي.
أما بالنسبة للتكريم فلا يمكن أحداً أن يتوق إلى شيء أعلى من اتحاد العقل بالله برؤيته، كما قيل: “سيملكون أبد الدهور” (رؤيا نوحنا 22: 5). فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (سورة الواقعة 56: 88-91).
أما بالنسبة للشعبية فلا يمكن أحداً أن يتوق إلى شيء أعظم من التهليل الحقيقي الآتي من الله والسعداء، كما قيل: “ووراء المجد تأخذني” (مزمور 73: 24). قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (سورة سبأ 34: 47).
أما بالنسبة للثروة فإن السعداء يستمتعون بالله نفسه الذي يتضمن كمال كل الخير، كما قيل: “فأتتني معها جميع الخيرات” (الحكمة 7: 11). أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (سورة الكهف 18: 31).
أما بالنسبة لللذة فإن لذة العقل في رؤية الله هي عظمى من أي لذة حسية وإنها أكير مستقراً وهي خالصة عن أي عنصر محزن، كما قيل: “من دسم بيتك يشبعون ومن نهر نعمك تسفيهم” (مزمور 36: 9). يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (سورة الزخرف 43: 71).
أما بالنسبة لأمن الحياة فإن السعداء معصومون دائماً عن أي ضرر، كما قيل: “فلن يجوعوا ولن يعطشوا ولن تلفحهم الشمس ولا الحر” (رؤنا يوحنا 7: 10). لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا (سورة الواقعة 56: 25-26).
فكذلك إن في الرؤية المسعدة السعادة الشامل وإن كل رغبة تنجز. أما في هذه الحياة فأقرب ما يمكن أحداً أن يصل إليه هو في حياة تأمل الحق، كما قيل: “فقد اختارت مريم النصيب الأفضل، ولن يُنزع منها” (لوقا 10: 42). أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو (سورة الزمر 39: 9).
3.7 تعريب العناية الإلهية
إن الله يرشد كل شيء إلى هدفه بعنايته. فلأن كل شيء يتجه إلى الله كهدفه الأخير، إن الله الذي هو حاكم العالم الأعلى ومصممه يخصه أن يقود كل شيء إلى هدفه المحدد. وهذا يحتوي قيادة الأشياء الطبيعية اللاعارفة إلى هدفها الخاص، مثل إنشاء الثمر في الشجرة، وإلى هدفها العام في خدمة حاجات سائر الأشياء في العالم في نظان المسكونة. فإذاً نسمع أن الله يقال “على جميع الأرض ملك عظيم” (مزمور 47: 3). و“رَبِّ الْعَالَمِينَ” (سورة الفاتحة 1: 2). وما قلنا هنا يضاد موقف الذين يستثنون الله عن عمل تطور كون الطبيعة أو العالم.
وإن الله يحفظ الأشياء في الوجود، لأن الاستمرار في الوجود فرضية سابقة لأي تقدم إلى هدف. فإن عمل كل والد ينتهي بولادة الابن، وإن الوالدين هما غير مسؤولين عن وجود الولد المستمر ولا عن نوع طبيعته الموروثة. فكل ما ليس عين وجوده إن لقي الوجود بالمشاركة في وجود الله وبالتوقف عليه المباشر، وكذلك إن ذاته، أو طبيعة نوعه، هي أيضاً متعلقة على علية الله مباشرة. فكما كل ما يصنعه الإنسان يفترض عمل الطبيعة في عناصره، كذلك عمل الطبيعة يفترض يد الله الخالقة والمساندة. فإن النص يصفه كما يلي: “يحفظ كل شيء بقوة كلمته” (العبرانيين 1: 3). قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (سورة الرعد 13: 16).
وما قلنا هنا عن كيفية توقف كل شيء على الله يعارض موقف بعض العشائرة، مثل الباقلاني، الذين نفوا وجود الطبيعة أو الموجود الطبيعي، فإنهم قالوا إن كل شيء ليس أكثر من تشكيل عرضي لدرات دقيقة جداً، ليس لها اتصال في المكان أو الزمان، بل تفني وتُخلق من جديد كل لحظة متعاقبة.
وليس فاعل تعطي الوجود إلاّ كآلة الله، لأن وجود كل فاعل يتعلق مباشرة على الله. فإذاً كل ما يفعل أي فاعل لأجل كون الشيء إنما عمله يعد لفعل الوجود المتوج الذي هو معلول الله الخاص بحيث هو الفاعل الأول. فإن النص يقول: “فإنه خلق كل شيء ليكون” (الحكمة 1: 14). إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (سورة النحل 16: 40).
كذلك إن الله هو علة الفعل في كل الفاعل، لأن كل شيء يتعلق على الله ليس فقط كمبدع طبيعته، بل أيضاً لوجوده المستمر ولكل عمله، بحيث لو وقف عمل الله لوقف كل عمل المخلوق.
كذلك إن كل عمل هو بنوع ما علة الوجود، إما الوجود الجوهري وإما الوجود العرضي، وبهذه الحيثية إن العمل آلة الله.
وأيضاً إن لكل عمل غاية أو مقصد خاص يوجهه الله. ولذلك إن كثيراً من الأفعال ينسبها النص إلى الله كمبدأها الأول، مثل ما يلي: “يا رب، إنك تحل السلام لنا لأن كل أعمالنا أنت تعملها لنا” (أشعيا 26: 12). وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم. فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (سورة الأنفال 8: 10، 17).
ولذلك إن الله هو في كل مكان وفي كل الأشياء، لأنه يساندها في الوجود ويحركها لفعلها بقدرته. وأيضاً لأن قدرته هي لامتناهية فيتحتم أن تمتد إلى كل مكان بلا استثناء.
فإذاً إن قدرة الله تأثر مباشرة وبدون واسطة في ما يلي: (1) وجود كل المخلوق، (2) نوع طبيعة ذاته بصرف النظر عن شخصيته أو فرديته، (3) المادة الأولى، (4) الصور الغير مادية وهي الجواهر المفارقة. فإذاً نقرأ: “ألست مالئ السموات والأرض يقول الرب؟” (إرميا 23: 24). وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (سورة النساء 4: 126).
وبرغم هذا يقول بعض النصوص إن السماء مسكن الله: “تعالى الرب على جميع الأمم وفوق السموات مجده. من مثل الرب إلهنا الجالس في الأعالي؟” (مزمور 113: 4-6). قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (سورة المؤمنون 23: 86). وإنما هذا إشارة إلى قدرته على جميع العالم، وإنما الأرض جزءه صغير يتعلق على نظام الكل. أما قدرة الله فلأنها بسيطة وغير متجزأة، إنها تمتد جميعها إلى كل المكان على السواء، بحيث لا يلفه أي مكان.
وبجانب آخر يلزمنا أن نعتقد أن المخلوقات إن لها سببيتها الخاصة، وهذا ضد قول العديد من المفكرين، ابتداءاً بأفلاطون. فإنه زعم أن الصور المادية لا توجد بأنفسها بل تصدر عن صور غير مادية، بحيث إن عالم الصور المثالية هو علة الحقيقية للمحسوسات ولا توجد أي علية طبيعية.
وكان فكر ابن سينا في نفس الاتجاه بحيث أنه نسب كون كل شيء في العالم إلى العقل الفعال كعلته.
وإن بعض العشائرة، وخاصة الغزالي، زعموا أن العلية الطبيعية تنافس قدرة الله المطلقة وأن اعتراف العلية الطبيعية هو شرك. فإذاً نفوا كل علية في الطبيعة ينسبون كل الفعل إلى الله وينقص الطبيعة إلى مستوى السبب بلا تأثير في المسبب، ويعمدون هذا الموقف بنظرية أن الموجودات الطبيعية ليست إلاّ جملة الذرات، كما بيّننا سابقاً.
كذلك إن الفيلسوف الإنكليزي داود هيوم نفي كل علية طبيعية، وهكذا نفي حقيقة العلوم الطبيعية.
ونجيب أن هذا الموقف يعارض البينات الحسية الشاهدة أن معلولات معينة تصدر عادة عن أشياء معينة، مثل السخانة عن النار وليس عن الجليد. ويعارض أيضاً الحكمة الإلهية أن يعلل كل الأفعال مباشرة وأن يُدخل العديد من الأشياء كأسباب غير مفيدة. وأيضاً إن تقصير الطبيعة إلى الذرات التي يعمل الله مباشرة فيها هو تصغير قدرة الله، لأن قدرته تظهر في كمال معلولاته وليس في اضمحلالها. وأيضاً إن خيرية الله تظهر في خصب الطبيعة، ونفي هذا هو تنقيص خيريته. وأيضاً إن هذا الموقف يسحب كل نظام العالم وتعلق أجزاءه ببعضها.
فإذاً بقولنا أن الأشياء الطبيعية تفعل بصورها، نعترف أن عليتها تمتد ليس فقط إلى الأعراض، مثل السخانة والضغط، بل أيضاً إلى الجوهر، بتوليدها أمثالها. وفي نفس الوقت ننسب كل هذه المعلولات إلى الله العامل بالطبيعة كآلته.
أما الذين نفوا العلية الطبيعية قد عارضوا أن معلولاً واحداً لم يمكنه أن تأتي من فاعلتين، احداهما في الطبيعة والآخرى الله. — نجيب أنهم لا يفهمون معنى العلية الثانوية أو المرؤوسة، ولا يفهمون كيف علة واحدة تستطيع أن تفعل بتأثير علة عليا. فالمسألة ليست تجزيء الفعل والمفعول بين فاعلين، مثل عاملين يحرثان في مزرع، أو حمّالين يحملان نفس الحمولة. فلا ننسب نسبة مئوية لله وأخرى للفاعل المخلوق، كما زعم المعتزلة ونفتها الأشاعرة، بل يملك العمل اثناهما بالمئة في المئة، ولكن على مستويَي العلية مختلفين.
وإن عناية الله لا تمنع كل شر، لأن الفعلة الثانوية يمكنها أن تكون ناقصة، كما يحصل عندما يعمل الفنان الخبير بآلات سيئة. ولا يجدر الحاكم الصالح أن يتدخل دائماً في عمل موظفيه، وكيفية أداء واجباتهم.
وأيضاً إنه يخدم خير المسكونة بأن فساد شيء ما يمهد لكون الآخر أو تغذيته.
وأيضاً إنه قد ينتج خير أخلاقي أكبر في مناخ الشر، مثل الظلم والاضتهاد، لأن في رحم هذين الفرص للأعمال الفضيلة البطولية للأخيار.
وأيضاً إن الشر، أو انعدام الخير، يساعدنا في تميز الخير للالتزام به بشكل أفضل وفي الاعتراف بأنه هبة من جودة الله وليس بدينه لنا.
وكذلك نقرأ: “أيكون في المدينة شر ولم يفعله الرب؟” (عاموس 3: 6). كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (سورة الأنبياء 21: 35).
فإذاً إن الذين ينفون وجود الله بسبب حضور الشر قد غلطوا، لأن الشر يفترض الخير وأخيراً كون خير مطلق. فأمكننا أن نعارضهم بالعكس: “إذا كان الشر كان الله.”
وإن عناية الله لا يجعل كل شيء واجباً لكي تمنع الإمكانية. ويتبين هذا من تغير الأشياء وفسادها واعتياقها في إنشاء معلولاتها، فأغلب البذور مثلاً لا تنبت. أما من جانب آخر فإن الله قد منح النفس الإنساني والجواهر المفارقة أن يستمتعوا بالخلود بوجوب طبائعها.
وإن عناية الله لا نمنع حرية الإرادة، لأنها كمال يشبه كمال الله أكثر من أي قوة طبيعية لأنها غير مخصصة لصفة العمل واحدة.
وأيضاً لو أزال الله حرية الإرادة لعدم الكثير من الخير، مثل جملة الفضائل الإنسانية والأخلاق الطيبة.
ولذلك قال النص: “هو صنع الإنسان في البدء وتركه يستشير نفسه” (يشوع بن سيراخ 15: 14). وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (سورة الكهف 18: 29).
وإن عناية الله لا يمنع الاتفاق، وإلاّ لحدث كل شيء بالضرورة ولم يكن أي شيء ممكن. وفي هذه الحال لم يفسد شيء ولتبدد ميزان المسكونة.
وأيضاً إن فعل الطبيعة ينحصر في ما يخدم هدفها الخاص، فإن الشجرة مثلاً تنشئ الثمر، أما ما يحدث لذلك الثمر هو شأن الاتفاق بالنسبة للشجرة. فإذاً لو لم يحدث أي شيء بالاتفاق لم يتنظم مسكونة الطبيعة ولعدمت عديد الخيار.
فإذاً نسمع: “التفتّ فرأيت تحت الشمس أن ليس الجري للخفيف ولا القتال للأبطال ولا الخبز للحكماء ولا الغنى لذوي الفطنة ولا الحظوة للعلماء، لأن الآونة والطوارئ تفاجئهم كافة” (الجامعة 9: 11). وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا (سورة التوبة 9: 680-69).
3.8 العناية الإلهية المباشرة والعناية الإلهية بالوسائط
لأن عناية الله تجوّز الإمكانية والاتفاق، إنها تحتوي الاهتمام بالأشياء الفردية الممكنة. فلو لم تمتد عنايته لها، لكان لأنه لم يعرفها أو لم يستطع أن يهتم بها أو لم يرد أن يهتم بها. أما إن معرفته وقدرته اللامتناهية فتصل إليها، وإن إرادته تمتد إلى كل خير. فيهتم بها بحفظها في الوجود وبتمكينها لتأدي كل أفعالها وتنجز هدف وجودها. كذلك إن كمال علم الله وقدرته يظهر في عنايته لأصغر الجزئيات في العالم. فإذاً نسمع: “أما يباع عصفوران بفلس، ومع ذلك لا يسقط واحد منهما إلى الأرض بغير علم أبيكم. أما أنتم فشعر رؤوسكم نفسع معدود بأجمعه” (متى 10: 29-30). لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (سورة سورة طه 20: 6).
وإن البعض يلوم أرسطو على التعليم النقيض لما قلنا، ولكن لا تأسس هذه اللومة في نصوصه.
وإن عناية الله تمتد إلى كل شيء مباشرة. وهذا ضد قول منتسب لأفلاطون أن عناية الله لا تهتم مباشرة إلاّ للمخلوقات الروحية، وبواسطتها إلى سائر المخلوقات. أما هذا القول فإنه من التشبيه، لأنه في الشؤون الإنسانية لا يستطيع رئيس الدولة أن يعرف كل ما يحدث في البلاد، بل يترك جزئيات الإدارة لموظفيه الذين يعرفونها بأكثر الدقة. أما لله فليس كذلك، بل يعرف كل شيء وينظمه مباشرة، كما نقرأ: “أنت صنعت أحداث الماضي والحاضر والمستقبل وقدّرت الحاضر والمستقبل وما فدّرته كان وما أردته كان” (يهوديت 9: 5). وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (سورة الأنعام 6: 59).
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
إن عناية الله تستعمل الوسائط في تنجيزه. وبرغم أنها مباشرة في تصميم كل الجزئيات وتنظيمها، بحيث تظهر حكمته الكاملة، يترك تنجيز عنايته لعلل ثانوية مطابقة للمعلولات المنتظرة. وهكذا مستويات الخير المختلفة الموجودة في الخليقة تشترك في خيرية الله المفيضة ويتكون نظام العالم بتعلق أجزاءه على بعضها. كذلك نقرأ: “باركوا الرب يا جميع قواته، يا خدامه العاملين برضاه” (مزمور 113: 21). يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (سورة التحريم 66: 6).
إن الخلائق العقلية هي الوسائط الأولية في تنجيز عناية الله، لأنها عُليا من سائر المخلوقات. فتشترك في عناية الله ليس فقط بتأدية أوامره بل أيضاً بفهمها وباستطاعتها أن تنجز أوامره بالحكمة. فإن قوة عقلية يمكنها أن تصمم وتدير، أما الخلائق الغير عقلية إنه يقودها اتجاه طبيعتها الضروري أو التدريب، كما يحصل بالكلاب والأحصنة.
وبين الخلائق العقلية إنه طبيعي أن الأعلى يرشد الأدنى، لأن الأعلى يشترك في حكمة الله أكثر من غيره.كذلك إنه يوجد ملائكة متنوعون أولو وظائف مختلفة، فإن بعضهم يهتمون بنظام الخلق العام، وبعض الآخر بهذ الميدان أو ذلك أو بحاجات البشر المختلفة. فقد نسمع أسماء “السرافين” (أشعيا 6: 2-6)، و“الكروبين” (حزقيال 10) الأكثر تقرباً من الله (انظر سورة غافر 40:7)، و“رؤساء الملائكة” (1 تسالونيقي 4: 16)، وخاصة ميخائيل (دانيال 10: 13، 21. يهوذا 9. سورة البقرة 2: 98)، و“ملائكة” (في كل الكتب تقريباً)، وخاصة جبرائيل/ جبريل (لوقا 1: 19، 26. سورة البقرة 2: 97-98. سورة التحريم 66: 4).
إن كلمة “ملاك/ ملائكة” تعني “رسولاً”، وإن عملهم يقال إنه التبليغ (مثلاً أعمال الرسل 10: 4-6. سورة التكوير 81: 19). وفي نصوص أخرى يقال إنهم يرفعون ذكر صلاة الناس إلى حضرة الله (طوبيا 12: 12)، ويشفون الناس ويبرئوهم (طوبيا 12: 14)، ويقتلون العدو (1 الملوك 19: 35. سورة السجدة 32: 11)، ويحفظون ما يعمل الناس من البر أو الفجور ويكتبونه (سورة الانفطار 82: 10)، ويتوفون الأنفس في الموت (سورة السجدة 32: 11).
أما “صاحب رئاسة وسلطان وقوة وسيدة” (أفسس 1: 21) فلبعضهم نُسب تبليغ شريعة موسى (غلاطية 3: 19)، ولكن جملتها قد طُردت كقوى شيطانية تستعبد الناس لشريعة موسى وتحرفهم عن خالقهم (غلاطية 4: 3. أفسس 1: 21، 2: 2، 6: 12. 1 قورنتس 15: 24).
وإن العقل الإنساني له سوء الحظ أن الإنسان يبتدئ حياته بفكر عناية الله عام جداً. وليعرف نظام الأشياء الجزئي يلزم عليه أن يدرس العالم الذي هو حولنا. وبرغم نقصان معرفة الإنسان، إنه يتفوق على الحيوانات الغير ناطقة، كما يقول النص: “يتسلط عل أسماك البحر وطيور السماء والبهائم وجميع وحوش الأرض وجميع الحيوانات التي تدب على الأرض” (تكوين 1: 26). أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ (سورة الحج 22: 65).
والحيوانات كذلك تتفوق على النبتات وسائر الأشياء العائزة المعرفة، كما نسمع: “ها قد أعطيتكم كل عشب يخرج بزراً على وجه الأرض كلها وكل شجر فيه ثمر يخرج بزراً يكون لكم طعاماً ولجميع وحوش الأرض وجميع طيور السماء وجميع ما يدب على الأرض مما فيه نفس حية، أعطيت كل عشب أخضر مأكلاً” (التكوين 1: 29-30). أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (سورة عبس 80: 25-32).
وحتى في الإنسان إن قواه البدنية يلزم أن تخدم قوته للإحساس، ويلزم أن حواسه تخدم عقله وتتبع أوامره.
وفي المجتمع الإنساني إن الذين وُهب لهم أكثر قوة التعقل يلزمهم بالطبيعة أن يترأسوا على تنظيم المجتمع، يستثمر مقدرة الموطنين لخير المجتمع العام، كما نسمع: “وأنت فاختر من كل الشعب أناساً مهرة أتقياء لله أهلاً للثقة يكرهون الكسب — فيقضون للشعب في كل وقت” (الخروج 18: 21-22). يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (سورة النساء 4: 59).
ومع ذلك إن هذا النظام كثير ما ينحرف، مثلما قد يحدث أن الحسية تسيطر على عقل الشخص. فإن البعض يغصبون الرئاسة أو يدخلون بالرشوة. فإن عناية الله يحتمل أن يقع هذا بسبب نقصان أفعال الناس، لو منع بعض الإفراط هنا بإرسال حكماء قادرين أن يشاوراو الرؤساء الحمق ويرشدهم أحياناً، كما نسمع: “بالمشورة تُحقق المقاصد وبالحيل مارس الحرب” (الأمثال 20: 18). وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (سورة آل عمران 3: 159).
ولتكملة وصف العناية هذا، نلاحظ أن أغلب قوة العالم هي في القوى الطبيعية الكيميائية الغير حية. وعلى أرضنا إن الشمس تدير أغلبها بتغيرات اتجاه الأرض للشمس بحسب الأدوار اليومية والسنوية. وهذا يؤثر في تعاقب السخانة والبرد، وفي الرياح وغيرها من العواقب. وإن للقمر وسائر الكواكب أقل تأثير على الأرض. وإن كلها هي آلات عناية الله ليساند الحياة على الأرض.
وعلى ذلك إن الأجرام السماوية لا يمكنها أن تطبع أفكاراً في عقولنا ولا أن تحرك إرادتنا، ولو أمكنها أن تصل إلى عقلنا وإرادتنا بطريق غير مباشر، وهذا بتأثير في أجسادنا. أما ذلك التأثير، فإنه قد بالغ كثيراً في إثباته الفلاسفة في الزمان العتيق وفي القرون الوسطى، ويتبعهم المنجمون العصريون بدون أي سلطان علمي.
على كل حال، لا يمكن للنجوم ولا لأي قوة طبيعية أخرى أن تجبر إرادة الإنسان في اختياره. ولا تجعل أن كل الحوادث الطبيعية في العالم نقع بالضرورة.
ولا يمكن للأرواح أن تؤثر في إرادتنا مباشرة، فإن أكثر ما تستطيع أن تفعل هو أن تؤثر في خيالنا، وهي قوة حسية في آلة طبيعية. أما الاختيار، بحسب تعرفه، فجبره مستحيل، لأنه يصدر عن داخل النفس. وإن الإنسان أو الملاك لا يستطيع أن يحرك إرادة الشخص إلاّ بطريق الإقناع، وهو دنو من العقل بتقديم بعض الخير له بحيث الشخص حر لاختياره أو لرفض اختياره.
وإنما الله وحده يستطيع أن يحرك الإرادة من داخلها، لأنه هو خالقها وأعطاها رغبتها الطبيعية في الخير، ويحفظها في الوجود والفعل. ولذلك قال النص: “قلب الملك في يد الرب سواقي ماء فحيثما شاء يميله” (الأمثال 21: 1). وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (سورة البقرة 2: 213).
فإذاً إن الله أعطانا ليس فقط قوة الإرادة بل أيضاً يحرك إرادتنا لفعلها. وليس هذا إلاّ تطبيق المبدأ العام المذكور سابقاً أن الله يحرك كل شيء في أفعاله بنفس النحو أن العامل تستعمل آلة. فإذاً نسمع: “إن الله هو الذي يعمل فيكم الإرادة والعمل في سبيل رضاه” (فيلبي 2: 13). وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (سورة المائدة 5: 48).
فإذاً إن كل أعمال الإنسان واختياراته تقع تحت عناية الله، وهذا أكثر من حوادث العالم الطبيعي، لأن الموجودات العقلية هي أكثر قريبة من الله وأكثر محبوبة له وبواسطتها يهتم بسائر الخليقة. فإذاً نسمع مداينة القول النقيض: “إن الله قد هجر الأرض وإن الرب لا يرى” (حزقيال 9: 9). ولكن يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ (سورة البقرة 2: 255).
أما بجانب آخر نسمع: “هو صنع الإنسان في البدء وتركه يستشير نفسه” (يشوع بن سيراخ 15: 14). لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (سورة إبراهيم 14: 51). فإن هذين النصين يدلان على حرية إرادة الإنسان وتظهران أن عناية الله لا تجعل أن الأفعال الإنساني تصدر عن إرادته بالضرورة.
وبعنايته إن الله يهتم بتوفيقنا مباشرة أو غير مباشرة في كل نقائصنا. ولأن إراداتنا هي متقلقلة ومتهورة، كما يظهر في الخطيئة، إننا نتعلق عليه مباشرة، فإن إرادته لا تتغير وهو وحده يمكنه أن تمس إرادتنا. وإن عقلنا أيضاً يميل إلى الضلال في محاولته أن ينظم عديد المعطيات الحسية المنعقدة، وفي هذا العمل يمكن الله أن يساعدنا بخدمة الملائكة الذين عقولهم تنظر إلى كل ما يعرفون بنظر واحد معصوم عن الضلال. وإن أجسادنا هي أيضاً غير مستقرة، تحتاج إلى أوقات التغذية والاستراح. وإن تواتر هذه الأوقات تساعده طبيعة العالم بتواتر دوائر الأرض بالنسبة للشمس.
وإن عناية الله يحتوي الحظ، وهي ما يحدث للشخص لا ينويه، مثل المزارع الذي يحرث حقله ويجد كنزاً مدفوناً، أو إذا التقى شخص بزميله في سفر ولم يعرف سابقاً أن الزميل هو في ذلك المكان. وكل هذا اتفاقي بالنسبة للعلية المخلوقة، ولكن إنه من نظام الله العام، بحيث يرشد اختيار الناس إلى الخير ويزوّدهم الوسائل لينجزوا هذا الاختيار. وفي هذا يمكن الله أن يستعمل الملائكة ليلهموا أفكاراً صالحة بواسطة الخيال، ولكن لا يمكنهم أن يجبروا الاختيار. ويمكن الله أيضاً أن يميلنا إلى الفعل باستعمال الظروف الطبيعية، مثل الطقس والأشناء التي نرى أو نسمع.
على كل حال يلزمنا أن نرفض إبانات المنجمين للخُلق الإنساني، فحتى الحوادث الطبيعية لا يمكن نسبها إلى النجوم بيقن علمي.
3.9 القدر
إن عناية الله كاملة، بحيث لا يفوقها شيء. وإنها غير متغيرة، بقدر الله، لو لم يجعل أن الحوادث تقع بالضرورة. فإن عمومية عناية الله تنتج عن الفعل أنه أنشأ كل شيء ويساندها في الوجود والفعل لكي يجلبها إلى كمالها.
وإن عناية الله كاملة بحيث يصمم كل جزء العالم وفي نفس الوقت ينجز هذا التصميم بسلسلة عجيبة من العلل الثانوية. وبينما العالم كله ينجز الهدف الذي خُلق لأجله، وهذا خير البشر وخيره هو الله، ليس لكل شيء في العالم نفس الكمال ولا يصل كل شيء إلى كماله الفردي. فإن كثيراً من الأشناء فليلاً بعد الولادة نُأكل لأجل خير أشياء أخرى.
وإن كل علة ثانوية، بفعلها الطبيعي، تتفاعل مع أشياء أخرى، وهذا بالاتفاق ولا بالضرورة. وإن العلم الطبيعي يستطيع أن يتنبأ بعض هذه التفاعلات إلى مدى محدود، كما يتنبأ طقس بعض الأيام القادمة ولا أكثر. أما الله فيعرف من القدم تفاعل كل شيء مع كل شيء آخر بحسب النظام الذي أراد. فإذاً إن كل شيء لا بد أن يحدث بحسب نظام الله، ولا بحسب طبيعة أي شيء فردي.
وبرغم أن ما قدّره الله بعنايته لا بد أن يحدث، إن الدعاء ليس بعقيم، لأن هدف الدعاء ليس ليغير ما فدّر الله من نظام عنايته، بل التحصل على ما قدّر الله أن يعطيه جواباً للدعاء. فلأن الخلائق العقلية تشترك في خيرية الله أكثر من سائر المخلوقات، إن الله يحبها أكثر ويريد أن تصل إلى السعادة بإنجاز رغائبها الطيبة. فإن هذه الرغائب التي يعبر الدعاء عنها، هي استعداد وشرط ليعطي الله ما هو خير للناس. فكذلك قال النص: “إن الله يصنع ما يرضي الذين يتقونه، يسمع صراخهم ويخلصهم” (مزمور 145: 19). فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (سورة البقرة 2: 186).
وأحياناً إن الله لا يسمع الأدعية. ويمكن هذا أن يحدث لأن الداعي طلب شيئاً ليس في الحقيقة خيراً له، ولو لم يشعر بهذا، كما قيل: “إنكما لا تعلمان ما تسألان” (متى 20:22). “تساألون ولا تنالون لأنكم لا تُحسنون السؤال لرغبتكن في الإنفاق على أهوائكم” (نعقوب 4: 3). فينبغي أن يكون مثل أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (سورة الإسراء 17: 57).
أو لا يسمع لأن رغبة الداعي قد رخت ووفق عن الدعاء، ولذلك نسمع عن “وجوب المداومة على الصلاة من غير ملل” (لوقا 18: 1).
أو لا يسمع لأن الشخص لم يدع بالتواضع والورع والإيمان، كما فيل إنه “لقلة إيمانكم” (متى 17: 20). إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (سورة الأنفال 8: 2).
أو لا يسمع لأن الشخص قد خذل مودة الله بالخطيئة، أو لأنه دعا لأجل شخص آخر ليس في مودة الله، كما نسمع: “إن أكثرتم من الصلاة لا أستمع لكم لأن أيديكم مملوءة من الدماء” (أشعيا 1: 15). ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (سورة الأعراف 7: 55).
وما قلنا في الدعاء يعارض غلطتين: وإن الأولى هي القول أن كل الدعاء عقيم، إما لأن الله ليس له العناية، كما قال الأبكوريون، وإما لأنها لا تصل إلى الشؤون الإنسانية، أو لأن كل شيء يحدث عن الضرورة، كما قال السطويكيون.
وإن الغلطة الثانية هي القول أن عمل الدعاء هو أن يغير إرادة الله. فإن بعض النصوص المقدسة قد تُفهم بهذا المعنى، مثل ما يلي: “إن رجعت تلك الأمة عن شرها الذي بسببه تكلمت عليها، فإني أندم على الشر الذي فكرت في صنعه بها” إرميا 18: 8). فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة المائدة 5: 39). ولكن قد رأينا سابقاً أن الله لا يتغير ولا يتغير نظام عنايته الشامل. أما هذا النظام فيمكنه أن يحتوي سلاسل العواقب خاصة، فإن الله يمكنه أن يتوّب الشخص عن ملكة الخطيئة التي يسلك إلى جهنم بها ويشده إلى ملكة الفضيلة والدعاء التي يسلك إلى السماء بها. وفي هذه الحال يقال بالمجاز أن الله تاب.
وإن عناية الله تعمل بحسب نظام عقلي. وهذا يظهر في التنوع الكثير الموجود في الخليقة، لأن كل واحد من خلائقه يظهر وجهاً صغيراً من خيرية الله. أما جملتها فتظهر وجوه خيريته مختلفة على مستويات الكمال مختلفة. فلأن الأشياء تفترق بينها، إنها تفترق في أعمالها وأشكالها وتعاملاتها مع غيرها. فإذاً توجد ترتيبات مخفتلفة من التعلقات العلية في العالم، يستعملها الله لإنجاز مقاصده، مثلما يستعمل التبخر والسحب والريح والتكثيف ليعمل المطر.
فإن عقلية عناية الله تعارض القول أن كل العلل إنما هي أسباب لا تأثير لها في الأشياء، تقول هذه النظرية أن النار يمكنها أن تسخن أو أن تبرد على السواء، بحسب إرادة الله الاعتباطي فقط. وتعارض أيضاً القول أن كل شيء في العالم يحدث بالضرورة وأن الاتفاق مستحيل. فإذاً بالنسبة للمبدأ الأول لكل الأشياء نسمع: “كل ما شاء الرب صنع في السموات والأرض” (مزمور 135: 6). أما بالنسبة للعلية الثانوية نسمع: “رتبت كل شيء بمقدار وعدد ووزن” (الحكمة 11: 20). ويكرر فكر النصين النص التالي: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (سورة القصص 28: 68).
3.10 المعجزات الصحيحة والمعجزات المزورة
وبرغم أن نظام عناية الله الشامل لا يتغير، بحيث لا يمكنه أن يعمل ما لا يعرفه ولا يريده أو لم يتجه إلى خيريته، إنه يمكنه أن يعمل خارج نظام العلية المخلوقة. وهذا لأنه يملك القدرة البرئيسة والعامة على العالم ويعمل باختياره الحر ولا كعلة طبيعية لا يمكنه أن يكبح نتاجاته. وإنه، كالخالق لطبائع كل الموجودات ولوجودها، يمكنه أن ينتج كل ما تنتجه خليقته، وذلك مباشرة وبدونها. وإنه يليق به أحياناً أن يفعل كذلك ليعلّم الناس وسع قدرته.
وفي الحال أن يجاوز الله قدرة الطبيعة، لا يعمل ضد الطبيعة لأن كل شيء يخضع بطبيعته لله ويمكنه أن ينفعل عنه ليقبل شيئاً أو أن يبلغ شيئاً مستحيلاً له بقوى طبيعته. فإن أفعال الله هذه الخارقة العادة إنها تسمى أعاجيب، لأنه تزعج الإعجاب. وهذا لأن علتها مجهولة، ليس بمعنى أنها تنتظر إبانة علمة، بل لأن علتها هي الله، وذاته مجهول لنا في هذه الحياة. وتسمى أيضاً معجزات، لأنه تعجز معارضة من حاول أن يأتي بمثلها.
وهنالك عدة أنواع للأعاجيب: أولها فعل ما لم يمكن الطبيعة أن تفعله قط، مثل تغلغل جسميَن، والثاني هو فعل ما يمكن الطبيعة أن تفعله، ولكن ليس في تلك الظروف، مثل تبصير الشخص بعد العمى، والثاث هو فعل ما يمكن الطبيعة أن تفعله، ولكن يفعله الله بدون وسائل طبيعية، مثل إبراء الحمى بكلمته.
على كل حال، إن الله وحده يمكنه أن يفعل الأعاجيب، لأنه هي مجاوزة قوى الطبيعة. ولو كانت الطبيعة تستطع أن تفعله، لم يكن أعجوبة، ولو ظهر عجيباً لمن لم يعرف العلة. ولذلك يصف الله النص كأنه “صانع العجائب العظام وحده” (مزمور 136: 4). قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ (سورة الأنعام 6: 109).
وبرغم أن الجواهر المفارقة لم يستطع أن تفعل الأجاعيب، لأن الأعجوبة هي ما يجاوز الطبيعة جميعها، إن لها السمعة أن تفعل بعض الكرامات أو أن تعمل الأجاعيب كآلات الله. فإن أفلاطون وابن سينا قد ظنا أن الجواهر المفارقة يمكنها أن تفعل أي تغيير في الأشياء الطبيعية، لأنه، بحسب رأيتهما، إن كل الصور المادية تفيضها قوة روحية في المادة. أما أرسطو (كتاب ما معد الطبيعة 6: 8،5) أصرّ على التجربة أن كل الصور الطبيعية تأتي من قوة المادة بتأثير الفعلة الطبيعية. ولذلك لا قبل أن الجواهر المفارقة يمكنها أن تؤثر في الأجسام إلاّ بالتحريك المكاني (وتعمل هذا خاصة في الأجرام السموية). أما بواسطة تحريك المكاني للفعلة الطبيعية يمكنها أن تنشئ كل الكرامات المنسوبة لها. وإن توما الأكويني وافق هذا وأضاف بالقول أن الفعلة الطبيعية يمكنها أن تكون أقوى تحت تأثير الأرواح. أما النفس الإنسانية فنفي أنها يمكنها أن تحرك المادة الخارجي، لأن قوتها المحركة تنحصر في تحريك بدنها (خلاصة الإلهوت 1: 117،4). ولكن إن الملاك أو الإنسان يمكنه أن يشترك في فعل الأعجوبة، إما بشفاعته وإما بانفعاله كآلة.
وإنه توجد مشكلة في استطاعة الأرواح أن تحرك الجسام بحركة مكانية، لأن هذا التحريك أيضاً يسبب صورة عرضية في الجسد، وهي القوة الدافعة. أما توما صر على أن كل الصور الطبيعية لا ينشئها الروح بل إنما الله مباشرة وإما الفعلة الطبيعية (خلاصة الإلهوت 1: 110،2). والله أعلم.
وإن السحر له عدة الإبانات. وفي أغلب المرات هو حيلة يخدع الساحر الناس بها، يستعمل إيماآت ليشتت انتباه المشاهدين عما يفعل. أما بعض السحر فهو على جانب الطبيعة، يتضمن أصوات ورؤى وعلم بعض الأشياء لم يمكن الساحر أن يعرفها بطريق طبيعي، وأعمال لفائدة زبائنه أو لضرر أعداءهم. ونوع السحر هذا مبدأه ليس التعلم أو قوة طبيعية في الساحر أو في الأحجار أو الأصداف التي يرمي أي في أشكالها، بل بالتواطؤ مع بعض الأرواح. وتضمن بهذا الأدعية والسجود والأضحية التي يصنع المشتركون في مثل هذه التعبدات. وإنه بيّن أن هذه الأرواح هي شريرة، لأن هذا السحر يستعمله الأشرار لتأدية جرائم أو للتحصل على الثروة أو لضمان الضلال الديني، وليس ليعملوا أي شيء ممدوح.
أما الأرواح الشريرة فليست شريرة بجواهرها بل بخطاياها. فإن كل الموجود صنعه الله خيراً، وإن كل مخلوق عقلي له ميل طبيعي للحق وللخير، وعقول الملائكة معصومة من الغلط. فإن حطيئة الملاك لا يمكنها أن تصدر عن فوضى النزوعات، لأن الملائكة ليست لها أجسام ولا نزوعات، بل عن اختياره في جانب الخير الأخير. فإن المخلوق العقلي بطبيعته يشتاق كماله ضرورة، ولكن ليس ضرورياً أن يطلب هذا الكمال خارج نفسه في خير أعلى. فإذاً يمكن الملاك أن يختار طبيعة نفسه الممتازة كالخير الأخير ويرفض أن يخضع لله. وهذا هو خطيئة التكبر، كما قال ملك البابل: “أصعد فوق أعالي الغيوم وأكون شبيهاً بالعلي” (أشعيا 14: 14). وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (سورة البقرة 2: 34). ثم بقية الملائكة افترقوا في صنفين: صنف الذين تبعوا الشيطان وصنف الذين اختاروا أن يخلص لله.
3.11 عناية الله بالناس
إن لله اهتمام خاص بالناس بسبب طبيعتهم العليا وغايتهم وهي الله نفسه. ولذلك إن الله يوفّق الناس لأجل أنفسهم، أما بقية العالم فيعانيها لأجل الناس. فإنما في العالم الطبيعي إن الإنسان وحده هو حر ليدير أعماله، بينما سائر الأشياء تديرها الطبيعة وأخيراً مصدر طبيعتها، فإن هذه الأشياء المفعول بها إنها آلات خير أعلى.
وأيضاً إن الإنسان وحده يمكنه أن يصل إلى الله بالمعرفته وبالمحبته، وبقية الأشياء إنما يمكنها أن تصل إلى أهداف واسطة، فإذاً يلزمها أن تنجز كمالها في خدمة الإنسان، وهو القادر أن يصل إلى الله.
وعليه إن سائر الأشياء هي فاسدة، وهذا يدل على أنها تُستعمل لأجل مسمى، بينما إن الإنسان من جانب نفسه هو خالد.
وأيضاً في أي كل إنه توجد أجزاء رئيسية وأجزاء ملحقة تساعد الأولى. فإن بعض أشياء العالم هي لأجل تغذية الإنسان وأخرى لخدمة حاجاته أخرى، أما كلها هي لمساعدة كمال عقله بحيث يعرفها وبهذه المعرفة يعرف الله بعض شيء.
فإذاً إن كل شيء مهم: إن الأشياء الفردية مخضوعة لخير نوعها، بحيث النوع كله يخدم جميع البشر، وجميع الناس إنهم يجدون كمالهم في الله وفي منصبهم في العالم وفي مجتمع سائر المخلوقات العقلية.
وكذلك قال النص: “وكل حي يدب يكون لكم مأكلاً، وكما أعطيتكم العشب الأخضر أعطيكم هذا كله” (التكوين 9: 3). كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ (سورة البقرة 2: 60).
فإذاً نرفض رأي منتصري حقوق الحيوانات أنه حرام أن نقتل الحيوانات. فلأن الله صنعها لخدمة الناس، إنه مباح أن نقتلها للأكل أو لفائدة أخرى. أما النصوص المقدسة المانعة القسوة للحيوانات (مثلاً منع قتل دجاجة مع الفراخ: تثنية الإشراع 22: 6، أو منع قتل الناقة: سورة الشعراء 26: 155-158، وغيرهما من الأمثال) فإنهى تعلّم الناس ألاّ يعملوا كذلك للناس، وألاّ يسببوا خظراً أو ندرة للنوع.
ومن جانب المخلوقات الغير ناطقة إن بقاء النوع أهم من الأفراد. أما من جانب البشر، إن الفرد أهم من النوع، وذلك لأن كل شخص إنه ذو نفس خالدة.
وإن الله يرشد أعمال الناس ليس فقط لأنها إنسانية بنوعها بل أيضاً لأن الأشخاص يكسبونها. وذلك لأن كل شخص لا يتواجد لأجل نوعه فقط بل أيضاً لأجل نفسه وحياته الأبدية. وعليه فإن أفعاله لا تخصصها طبيعته بل إرادته الحرة. وإن التنوع الواسع في الأفعال الإنسانية الناتج عن هذا يجب أن تغطيه العناية الإلهية. وأيضاً إن الأشخاص، بعقولهم وإراداتهم، هم آلات الله في حكم المخلوقات الأخرى، كما نسمع: “ما الإنسان حتى تذكره، وابن آدم حتى تفتقده؟” (مزمور 8: 5)، أو كما وُرد عن يوسف: رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (سورة يوسف 12: 101).
ولذلك كان لازماً على الله أن يعطي الناس قوانين الشريعة ليرشدهم إلى غايتهم، لأن القانون هو أمر العقل يرشد العمل إلى الخير العمومي. وأيضاً لأن الناس يشتركون في عناية الله في الحكم على المجتمع الإنساني وسائر الخليقة، إنهم يحتاجون إلى الهداية من الحاكم الأعلى الجامع. فإذاً نسمع: “أجعل شريعتي في بواطنهم وأكتبها على قلوبهم” (إرميا 31: 33). ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ (سورة الإسراء 17: 39).
وإن هدف شريعة الله هو أن يرشد الناس إلى الله، لأن الهدف الذي خلقهم لأجله هو السعادة مع الله، وإن كل فعل إنساني هو خير إذا ما كانت توصل الإنسان إلى هذا الهدف. وكذلك قال النص: “والآن يا إسرائيل، ما الذي يطلبه منك الرب إلهك إلاّ أن تتقي الرب إلهك سائراً في جميع طرقه ومحباً إياه، وعابداً الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك، وحافظاً وصاياه وفرائضه التي أنا آمرك بها اليوم، لكي تصيب خيراً” (تثنية الإشراع 10: 12-13). فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (سورة الكهف 18: 110).
وإن هدف الشريعة الخاص هو محبة الله، لأن هذه هي الطريق الرئيسي الذي يمكننا أن نصل إلى الله به في هذه الحياة. فإن عمل الإنسان الأعلى، وهو معرفة الله، هو ناقص في هذه الحياة ويلزم على الإرادة أن تتمه بعمل المتجهة لله. أما الإرادة يمكن أن يوجهها إلى الله إما المحبة وإما الخوف. فإننا بالخوف نطيع أوامر الله لنجانب الشرور الناتجة عن الخيانة له. أما المحبة فتوجهنا إلى الله لأجل نفسه. وأيضاً إن الشخص يسمى طيباً لأن إرادته هي طيبة، وإن إرادته طيبة لأنها بحب الخير، وخاصة الخير الأسمى. وأيضاً إن المحبة هي الطريق الأقوى والأعذب والأكمل للتوجه إلى الله. فإذاً قال النص: “فالمحبة إذاً كمال الشريعة” (رومة 13: 10). يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (سورة المائدة 5: 54)، يعني أن المحبة هي كمال الدين.
وإن الشريهة تحتوي أيضاً محبة الجار، لأن الذين يسيرون في نفس الاتجاه يلزم أن يربطهم جو واحد وأن يساعدوا بعضهم في الطريق. وأيضاً إن الذين يحبون الله يلزم عليهم أن يحبوا الذين يحبهم الله، وهم جميع الناس. وأيضاً إننا نحتاجون إلى السلامة لأجل عبادة الله وتأمل الإلهيات، أما السلامة فتضمنها المحبة في الدرجة الأولى. فإذاً نسمع: “وأحبب قريبك حبك لنفسك” (الأحبار 19: 18). وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (سورة الأنفال 8: 63).
وإن الشريعة تأمر الناس أن يطلبوا الإيمان الصحيح. فإذا كان علينا أن نحب الله، وجب علينا أولاً أن نفهم كيف هو غايتنا المسعدة. ولا نستطيع أن نعرف هذا إلاّ بالوحي المجاوز ما يقول لنا العقل. والوحي الذي نختار قبوله بالإيمان يلزم أن يعطينا فكر الله صحيحاً، لأن الله لا يمكنه أن يطلب من أحد أن يؤمن بضلال، وخاصة لأن الضلال حول الله، وهو موجود بسيط، يجعل أن يفوتنا تماماً. فمن تعتقد أنه جسد، مثلاً، لا يعرفه البتة. ولذلك قال النص: “اسمع يا إسرائيل: إن الرب إلهنا هو رب واحد. فأحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قوتك” (تثنية الإشراع 6: 4). وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (سورة البقرة 2: 163).
3.12 خاتمة
قد وصلنا إلى المدى الممكن لنا الآن أن نسافر إليه على طريق جامع للمسيحيين والمسلمين. وإن بقية الفرق في الكتاب الثالث ل خلاصة الكلام لجميع الآنام إنها تتكلم عن مواضيع قد يجد الخلاف بيننا فيها، مثل مبادئ العبادة وأخلاق الأسرة والشريعة الطبيعية والنصائح الإنجيلية أو الرهبانية، وأنواع الخطيئة ومعاقبها واللطف المساعد والنعمة المقدِّسة والهبات الروحية والنجاء من الخطيئة ووقايتها والقدر. أما الكتاب الرابع فإنه لا يتكلم إلاّ عن العقائد الخاصة للمسيحية.
ولا ننفي أن الحوار في العقائد هو ممكن ومهم. أما في هذا مصنف لا نتكلم إلاّ عن مبادئ الإيمان.
وصَّلَنا الله إلى وجهتنا في الحياة الأبدية الموعودة لنا في النص:
أخلق سموات جديدة وأرضاً جديدة
فلا يُذكر الماضي ولا يخطر على البال
بل تهللاو وابتهجاا
(أشعيا 75: 17-18)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
(سورة التوبة 9: 100)